منتظر الزيدى .. الإعلامي العراقي تحول من مجرد ناقل للخبر إلى مصدر للخبر ومن مجرد وسيط إعلامي إلى هدف إعلامي.. أصبح حديث العامة والخاصة ولا يكاد يخلو بيت أو تجمع أو حديث في العالمين العربي والإسلامي بل والعالم أجمع من الحديث عنه عقب قيامه مؤخرا برشق الرئيس الأميركي جورج بوش بفردتي حذائه بشكل مفاجئ خلال مؤتمر صحافى عقد بالعاصمة العراقية بعداد مما أصاب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بصدمة ألجمته ليس هو فحسب وإنما الأمن الأميركي والعراقي علي السواء .
في معرض تعليقه على هذه الحادثة قال سفير العراق السابق باليمن السفير فهمي القبيسي : إن منتظر الزيدي شاب عراقي شهم وكونه إعلاميا لقناة فضائية يعمل وسط الناس ويتحرى آلامهم ومصائبهم خاصة في العراق في ظروف الاحتلال. فقد مكنه ذلك من أن يشاهد بأم عينيه ما جرى وما يجري في العراق والجرائم المرتكبة من قبل إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، فهناك ما يزيد على مليون والنصف مليون شهيد عراقي وأربعة ملايين امرأة أرملة وطفل يتيم و6 ملايين من المهجرين بالإضافة إلى تدمير كامل للبنية التحتية وتدمير للاقتصاد سواء في المجال الصناعي والزراعي والتجاري والخدمات بعد أن عاش العراقيون لفترات طويلة في بحبوحة وعز ورفاهية فأصبحت مدن العراق وعاصمتها بغداد العامرة خراب ودمار ومجرد أنقاض.
رفض للاحتلال الأميركي
وأضاف السفير القبيسي ، المقيم حاليا بالقاهرة: ان كل هذه المعاناة التي عاشها هذا الرجل جعلته في حالة إنسانية وانفعالية عبر من خلالها رفضه ورفض الشعب العراقي وحتى الشعب العربي لهذا الرئيس الذي غزا العراق وصرح في آخر أيامه بأن قرار غزوه للعراق وعدوانه علي الشعب العراقي كان نتيجة خطأ لمعلومات جهازه الاستخباراتي.
لقد دفعت كل هذه الهموم والمعاناه الزيدي لقذف بوش، بفردتي حذائه، مشيرا إلى أن هذا الرئيس بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني محتلا للعراق وهو القائد العام للقوات المسلحة الأميركية وجاء للعراق لزيارة قواته التي تزيد على 140 ألف جندي فهو ليس ضيفا على العراق بل يعد بموجب القانون الدولي عدو ومن حق منتظر الزيدي وكل مواطن عراقي أن يقاوم المحتل ورئيسه بأية وسيلة وطريقة للتعبير عن رفض لهذا الاحتلال وكل ما ترتبت عليه من نتائج.
وأعرب القبيسي عن اعتقاده بأن هذا الشاب دخل سجل التاريخ من أوسع أبوابه ففردات حذائه أقوى من رصاصات البندقية وإن لم تمس وجه بوش مباشرة فإنها لطمت العلم الأميركي والرئيس الأميركي ذاهب، ولكن كبرياء أميركا باق وقد أهين في بغداد بسبب تصرفات الإدارة الأميركية الحمقاء.
وقال القبيسى : إنه على جانب آخر فإنه بموجب قواعد القانون فإن الزيدي لم يرتكب فعلا يعاقب عليه فالركن الجنائي غير متوفر في العملية لأن فردات الحذاء لن تقتل الإنسان ولكن تعبر بعمق عن حالة الرفض الشديد لهذا الاحتلال، ودعا من هذا المنطلق جميع البلدان العربية ومؤسستها وهيئاتها ومنظماتها وفعاليتها إلى الوقوف بجانب منتظر الزيدي وإعادته لأهله وذويه ولا نستطيع أن نقول له «إلا سلمت يداك ودمت رمزا للحرية والإباء والكرامة العربية».
وشدد على أن ما قام به الزيدي ليس فقط موجها ضد بوش وإنما للغطرسة والعجرفة والعنجهية والسياسة الأميركية، وعلى الإدارة الديمقراطية الجديدة برئاسة باراك أوباما أن تعي الدرس جيدا وتصحح ما ارتكبه بوش من حماقات وأخطاء بل وجرائم وما قام به من ظلم وتعسف تجاه الأمة العربية وذلك من خلال سحب قواته من العراق ووضع حد للانحياز السافر للكيان الصهيوني وإعادة الحقوق للشعب الفلسطيني وتصحيح الحماقات التي سعت الإدارة الأميركية لارتكابها في أواخر أيامها في منطقة البحر الأحمر باعتباره بحرا عربيا خالصا. وفي هذا الصدد فقد أكد أن مسألة وجود قراصنة في البحر الأحمر من الصوماليين أمر لا يمكن أن يقتنع به طفل صغير ولا يمكن أن ينطلي علي أحد .
وذهب القبيسي إلى الاعتقاد بأن ما يحدث في البحر الأحمر حاليا هو عملية أميركية مدبرة للتأثير علي الدول العربية وفي مقدمتها مصر والسعودية وتهديد قناة السويس والتي تعتبر أحد مصادر الدخل الرئيسة لمصر وضرب الأمن القومي للدول العربية ولتكون قريبة من السودان باعتبارها مناطق نفوذ جديدة لواشنطن بعد ظهور البترول والثروات المعدنية والقرب من إيران العدو الجديد لأميركا ، كما أن هذا يأتي في إطار سعي الولايات المتحدة لإيجاد منطقة نفوذ للكيان الصهيوني في البحر الأحمر من خلال تدويل المشكلة.
في مواجهة الغطرسة
وقال القبيسي: إن كل العرب والمسلمين يشعرون بالفرحة والسعادة لما حدث للرئيس الأميركي جورج بوش وليس العرب والمسلمين فقط وإنما كل شعوب العالم الذين استفزتهم الغطرسة والعجرفة والسياسات الأميركية بما فيما ذلك الأميركيون أنفسهم الذين خسروا كثيرا خلال السنوات الثماني الماضية علي المستوي الشخصي قبل المستوي العام جراء سياسات بوش وإدارته.
ومن جانبه، أكد أستاذ الطب النفسي المصري ورئيس الجمعية العالمية للطب النفسي الدكتور أحمد عكاشة أن ما قام به الصحافي العراقي منتظر الزيدي برشق الرئيس الأميركي جورج بوش يرجع في الأساس إلى تعرضه لضغوط نفسية كبيرة جراء ما يحدث في العراق من جانب قوات الاحتلال الأميركي والمعاناة التي يتعرض لها العراقيون من العدوان الأميركي وما رفقه من انهيار شامل في البنية الأساسية والخدمات ومقتل أكثر من مليون ونصف المليون عراقي وترمل الآلاف وما رافق ذلك الاحتلال من انتهاكات صارخة ربما أقلها ما كشف عنه في سجن أبو غريب فهو ليس إلا حالة واحدة من مئات الحالات في طول البلاد وعرضها .
وقال عكاشة: إن تعرض هذا الصحافي للاختطاف من قبل ولد لديه إحساس بالكراهية الشديدة تجاه كل ما هو أميركي وولد لديه شحنة كبيرة من الغضب والسخط الذي تفجر وعبر عنه فيما حدث. وأضاف عكاشة: ان حالة الفرح والسرور والارتياح التي عبر عنها الشارع العربي والإسلامي يكشف بجلاء حجم الكراهية الشديدة التي يستشعرها المواطن العربي تجاه الإدارة الأميركية وخاصة الرئيس جورج بوش وسياستها الظالمة والمستبدة والمنحازة تجاه إسرائيل ضد الشعوب والقضايا العربية والإسلامية وسياستها الخرقاء فيما يتعلق بالأوضاع في العراق وأفغانستان ولبنان والسودان وليبيا وغيرها من البلدان العربية والإسلامية الأمر الذي انعكس في صورة الفرحة العارمة التي بدت في الشارعين العربي والإسلامي .
مجموعات للدفاع
ومن جانبه، قال عضو فريق الدفاع عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين المحامى محمد منيب: إن هناك اتصالات مكثفة بين العواصم العربية وتم تشكيل عدة مجموعات للدفاع عن الصحافي العراقي منتظر الزيدي، مشيرا إلي أنه قد بدأ الاتصال بالسلطات العراقية للحصول علي تأشيرات دخول لفريق الدفاع عن الزيدي إلى العراق والحصول علي تصريح نقابة المحامين العراقية، معربا عن أمله في ألا تتخذ السلطات العراقية إجراءات تعرقل دخول فريق الدفاع للعراق.
وأضاف منيب: أن مجموعات الدفاع عن الزيدي ستعمل في ثلاثة اتجاهات الأول تشكيل فريق للدفاع عنه والسعي للحصول على موافقة السلطات العراقية على دخوله والدفاع عن الزيدي، والاتجاه الثاني يتمثل في إجراء اتصالات مكثفة مع المؤسسات القانونية الدولية والإقليمية ومنظمات وهيئات الأمم المتحدة ولجانها ومنظمات المجتمع المدني الدولي لمتابعة الأوضاع الإنسانية التي يعيشها ويتعامل بها الزيدي في مختلف مراحل التحقيق، أما الاتجاه الثالث فيتمثل في السعي بكل الطرق لحشد الرأي العام العراقي والعربي والدولي حتى لا يغيب الوضع عن الرأي العام ولا نسمح للحكومة العراقية الموالية للاحتلال الأميركي في بغداد بالاستفراد بالزيدي.
وشدد منيب على أن ما قام به الزيدي لا يقع تحت طائلة القانون فهو تعبير لحظي عن مشاعر العالم كله تجاه رئيس الدولة المحتلة للعراق. وبدوره، أشار الباحث والأكاديمي بجامعة عين شمس ومركز دراسات الشرق الأوسط الدكتور أنور زناتى إلى أنه اشتهر عبر التاريخ قصة المقاومة ضد الظالم بدءاً من الدعاء وانتهاء بالمدفع الرشاش؛ أما بالنسبة للمقاومة بالحذاء والرمي به فهو يحمل رمزية لها معنى لدى ثقافات الشعوب، يستعملها الإنسان المقموع والمقهور ليعلن اعتراضه على القهر والظلم .
ولفت زناتى إلى أن أول واقعة من هذا النوع كانت قد حدثت أيام اجتياح المغول «التتار» بقيادة هولاكو خان لمدينة بغداد عام 656 هجرية استعداداً لغزو باقي العالم وكان العالم قد عرف المغول شعبًا همجيًا؛ أباد الناس، وهدم الحضارة، وأفسد في الأرض، وألقى الرعب والفزع في القلوب ، وقيل أن لون نهر دجلة صار في لون الدم .
رفض مماثل للتتار
وقال : إن الروايات تذكر أن شخصاً من عامة الناس استطاع أن يوجه من بعيد الى قائد المغول ضربة بحذائه، والعجيب أن قائد التتار المعروف بالجبروت اهتز وأصابه فزع شديد، وظل أياماً لا يظهر لجنوده من هول الصدمة، وتحول الشخص الذي قام بتلك الفعلة إلى بطل قومي في وجدان الشعب المسلم في ذلك الوقت.
وأضاف زناتي انه في عام 2008 اختار الصحافي منتظر الزيدي حذاءه ليرمي به باتجاه رئيس أكبر دولة في العالم، تماماً مثلما كان المغول، وكأن صورة هذا الحذاء المقذوف عبارة عن تصريح سياسي مترجم ترجمة فورية أمام كل شعوب الأرض أدلى به الصحافي منتظر الزيدي ويحمل الحذاء رمزيات ودلالات مفهومة للجميع. وأشار إلى أن الأمر العجيب أن الرئيس الأميركي جورج بوش بدأ رئاسته بضربات طائرات أسامة بن لادن واختتمها بضربات حذاء منتظر الزيدي.
القاهرة - «البيان»

