الإغداق الأوروبي والأميركي، على إسرائيل؛ ليس بالأمر الجديد. عمره من عمر الكيان الصهيوني. بل انه كان في الأصل وراء إقامة هذا الأخير، على حساب فلسطين. تميز دوماً بالغزارة والدفق من دون حساب. دعم وتعاون وتنسيق وحماية، على كل صعيد. صار بحكم المعطى القائم والمستمر.
مع ذلك فإن فصوله المتوالية، هذه الأيام، تستوقف، ليس فقط بنوعيتها وحجمها غير المألوفين. بل أيضاً بتوقيتها وبتسويغات تسويقها. فالتقديمات السخيّة، الأوروبية والأميركية، الجديدة المتدفقة على تل أبيب؛ تأتي في لحظة تبدو معها وكأن إسرائيل تكافأ على كل ما فعلته للتخريب على السلام ومشاريعه ومفاوضاته. والأنكى من ذلك، أنه يرافقها تبريرات، يختلط فيها الخداع بالسذاجة ـ على افتراض حسن النية، جدلاً ـ مع الاستخفاف بالرأي العام. وبالذات الفلسطيني والعربي.
هبّة السخاء الجديد غير المسبوق، على إسرائيل، بدأت كالعادة من واشنطن. إدارة الرئيس بوش، قررت قبل مغادرتها؛ تزويد إسرائيل بجهاز رادار للإنذار المبكر. هو الأول من نوعه خارج الولايات المتحدة. والهدية جاءت مع طواقمها الأميركية اللازمة للتشغيل. الذريعة: توفير الحماية لإسرائيل ضدّ الصواريخ الإيرانية.
لكن الخطوة، في ضوء أهمية هذه الشبكة وتفوقها ومداها الواسع الذي يصل إلى أعماق المنطقة، تحمل علامات بداية الربط الميداني الاستراتيجي؛ بين واشنطن وتل أبيب.
يصب في هذا المجرى ما ذكرته ها آرتس الإسرائيلية، قبل أيام، بأن الرئيس الأميركي المنتخب، أوباما، ينوي توفير مظلّة نووية لإسرائيل.
الذريعة، هي ذاتها: تأمين الحماية لها ضدّ أي خطر نووي إيراني. والمعلوم أن موضوع المظلة ورد في وثيقة توصيات للإدارة القادمة؛ رفعها مركز دراسات وسياسات الشرق الوسط، الذي يرأسه السفير الأميركي الأسبق لدى إسرائيل مارتن أنديك ما غيره، في مؤسسة بروكنغز للأبحاث في واشنطن. في تعليلها ترى الوثيقة، «أن التعهدات الأميركية في الرد على إيران سوف تمنح إسرائيل هدوءاً نفسياً وسياسياً هاماً». وكأن التفوق الذي نعمت به طوال ستين سنة ـ
والذي كان من المفترض أن يوفر لها كل الطمأنينة اللازمة ـ قد حملها في السابق على «تقديم تنازلات»، كما يزعم أصحاب هذه المقاربة؛ التي زاد انتفاخها بتبني الاتحاد الأوروبي لها، مؤخراً.
فقبل أيام اتخذ هذا الأخير قراراً برفع مستوى التعاون مع إسرائيل؛ بالرغم من تصويت البرلمان الأوروبي، مطلع الجاري، على توصية بتجميد النقاش حول إعطاء إسرائيل مثل هذه الوضعية، طالما بقيت تواصل سياساتها الاستيطانية والعدوانية وحصار غزة وانفلات المستوطنين، ضدّ الفلسطينيين.
لكن الاتحاد ضرب كل هذه الاعتبارات بعرض الحائط ومضى في قراره. فرنسا ساركوزي لعبت الدور الأبرز في هذا الخصوص. وزير خارجيتها، كوشنير، كانت حجته في الترويج لهذا الموقف، أن من شأن موافقة الاتحاد أن يعطيه المزيد من «المونة» على إسرائيل!
إذا كان الوزير يعتقد فعلاً بأن التسليف المسبق يمكنه أن يحمل إسرائيل على الانصياع خجلاً؛ فإن في الأمر سذاجة ـ كالتي كشف عن مثلها خلال وساطته الشهيرة أيام أزمة الرئاسة اللبنانية ـ لأنه لا يعرف إسرائيل. وإلا فإن ترويجه ليس أقل من خدعة. وفي الحالتين يكون الاتحاد قد التحق هو الآخر بمسلسل المكافآت المجانية لإسرائيل.
المكافأة هي، في أحد جوانبها؛ نوع من المقايضة. تعطى مقابل مساهمة أو الوفاء بالتزام.
عندما تنهال على إسرائيل العطاءات الكبيرة، في زمن انفلاتها على كل صعيد؛ وفي زمن تتحدث فيه ليفني عن مشروع ترانسفير جديد، فيما يطالب مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بوجوب إحالة المسؤولين الإسرائيليين على محكمة الجنايات الدولية؛ عندئذ ينزل هذا الإغداق في مقام تحريضها على مواصلة ما تمارسه، طالما أن عوائده سخية إلى هذا الحدّ.
مكافأة إسرائيل، خاصة في هذا الزمن؛ تقويض للسلام وتزخيم لتعنت إسرائيل. التجربة تشهد. كما تشهد بأنه لا ترجمة ولا مكان ل«المونة»، في قاموسها.
