في الثلاثينات من القرن الماضي دخل العالم في أزمة اقتصادية تتشابه معها الأزمة الحالية. في البداية حدثت افلاسات وموجات استغناء عن العمالة. ومع التحول إلى البطالة تراجعت القوة الشرائية، ودخلت الاقتصادات في حالة كساد عانت منها كافة دول العالم. مدة عشر سنوات.

هذه الأيام تتكرر المشاهد وكأنها بعثت من الماضي، لكنها هذه المرة مسلحة بأدوات العولمة من وسائل اتصال ومعلوماتية، فانتقلت الأزمة أسرع مما كانت عليه في القرن الماضي. كما أن عدواها صارت أسرع على كل المستويات. أفلست بنوك وشركات، وبدأت مؤسسات عالمية مرموقة في الاستغناء عن العمالة، فمجموعة سيتي بنك المالية قررت الاستغناء عن نحو خمسين ألفا، وشركة ياهو للمعلوماتية قررت تسريح حوالي ألف وخمسمائة يشكلون نحو عشرة بالمائة من قوتها البشرية، كما أقدمت شركة سوني على تجرع نفس الدواء وبنفس العدد.

والحبل على الجرار، ما يؤدي إلى ازدياد معدلات البطالة. فالولايات المتحدة التي تنتج نحو29 بالمائة من الإنتاج العالمي، وتستحوذ على مثلها من التجارة الدولية، خسرت خلال شهر نوفمبر الماضي وحده نحو نصف مليون وظيفة.

معظم الشركات والدول تتعامل مع الأزمة من موقع الصدمة التي نزلت على الرؤوس، وبنفس عقلية أزمة الثلاثينيات، وهو ما يكشف عن قصور معلوماتي عالمي في وقت تتضخم فيه صناعة المعلوماتية. فقد كانت بوادر الأزمة ظاهرة منذ بدايات العام 2007 أو قبله.

ومن يراجع تقارير بعض المؤسسات الدولية يكتشف أن هناك إشارات صدرت عنها في وقت مبكر، تحدثت عن متاعب مقبلة على الاقتصاد الأميركي، وأن تباطؤا اقتصاديا سيخيم على العالم ، لكن العالم لم ير أو يسمع إلا ما أرادته له واشنطن.

وبسبب هذا الخلل المعلوماتي، الكل الآن مبعثر ومشتت، ويتحرك وفق الحلول التقليدية، وأسهلها الاستغناء عن العمالة، مع أن هذا الإجراء سيوقع على المدى البعيد في كساد وركود، لتتحقق نبوءة عالم الرياضيات الأميركي جون كاستي، الذي توقع أن تستمر الأزمة الحالية مدة عشر سنوات، وأن ترتفع نسبة البطالة في معظم دول العالم وخاصة الولايات المتحدة إلى نحو خمسة وعشرين بالمائة.

وقال كاستي الذي بنى توقعاته على أسس علمية أن الأزمة ظهرت بالفعل في البورصة قبل عامين( الجزيرة نت29أكتوبر). مقولة كاستي لابد أن تصدم النظام المعلوماتي العالمي، ولابد أن يتوقف أمامها صناع القرار، لأنها إلى جانب تحذيرات المؤسسات الدولية، تكشف عن خلل معلوماتي عميق لدى الدول والحكومات.

وأنه كان بإمكان دول كثيرة تلافي الكارثة أو تقليل مخاطرها، لو أنها أحسنت امتلاك نظم معلوماتية وتحليلية متطورة. ومن هنا فان الدرس المهم الذي يجب الاستفادة منه أن التعامل الآني الضيق مع الأزمة ليس مجديا ولا فاعلا، وأن الأفضل للدول، خاصة تلك التي تتبع النظام الحر أن تمتلك سريعا قاعدة بيانات ومعلومات قومية، تمكن الدولة والمؤسسات الاقتصادية من وضع خطط عميقة وأحيانا ملزمة، من واقع الرؤية الشاملة، وعلاقته بالاقتصادات الأخرى إقليميا ودوليا، ومن واقع الأولويات، وحجم الأزمة داخل الدولة والإقليم.

مثل هذه المعلومات تمكن من إصدار القرار السليم، وفق اطر المسؤولية الوطنية، ومن ثم يحدث التناغم الوطني الشامل بين الحل والمشكلة. أما لجوء كل شركة إلى حلول جزئية ضيقة، فلن يكون إلا عبئا على الاقتصاد الوطني في المحصلة النهائية، من حيث ازدياد البطالة وصولا إلى الركود.

فالمصالح الفئوية لأصحاب رأس المال والشركات ليس بالضرورة أن تكون في صالح المجتمع، خاصة في ظل الأزمة، لأن القرارات تكون مصحوبة بالمصالح الآنية في المقام الأول. وفي هذا المقام نتذكر أن الاقتصادات التي تعتمد التخطيط المركزي تكون عادة الأقل في مستوى التأثر بالأزمة، والأسرع في الخروج منها، لأن صانع القرار تتوافر له قاعدة معلوماتية شاملة، تمكنه من إصدار القرار وفق النظرة الكلية للمصلحة العامة. وليس في ذلك انتقاص من مبادئ الاقتصاد الحر، لأن الأزمة حالة استثنائية وتحتاج حلولا غير تقليدية. والدواء مهما كان مرا أفضل من الكي.