هو مبدع له رؤيته الخاصة لما حوله كونه يعمل مخرجا تلفزيونيا ولديه زوايا بصرية تلتقط ما يمكن أن يغفل عنه الآخرون، ومع أنه تخرج من كلية التجارة والاقتصاد من جامعة حلب بخلفية حب للأرقام والتجارة واقتداء بوالده الذي كان يعمل في هذا المجال.
إلا أن ملكاته الإبداعية أخذته لعالم الفن كمصور تلفزيوني ثم مخرج خلف الكاميرا وممثل أمامها، التحق بتلفزيون الشارقة عام 1997 وتدرج في الوظائف المختلفة إذ مارس أيضا العمل كمساعد منتج ومدير إنتاج، رائد الدالاتي فنان متعدد المواهب تسبقه طموحاته المهنية والفنية، لكن ملاحظاته الدقيقة وقدرته على الوصف تجعلنا نتوقف معه في هذه النافذة عند حدث هز الأمة العربية وهو غزو العراق للكويت، في تلك الفترة كان الدالاتي مقيماً مع والده في الكويت. ومن ثم هو شاهد عايش الحدث عن كثب وتنقل بين الكويت والعراق فرصد العديد من المشاهد، لكن يبقى حديثه عن تلك الفترة مرهونا بوجهة نظره الخاصة من واقع إحساسه بما كان يجري حوله، كما أن حديثه سيشمل إطلالة على الكويت قبل الغزو على المستويات الفنية والاجتماعية والترفيهية.
في البداية يقول رائد الدالاتي: عشت جميع مراحل طفولتي المبكرة في الكويت، صحيح أنني ولدت في سوريا، لكن بعد ولادتي مباشرة عادت والدتي لتلحق بوالدي في الكويت حيث كان يعمل هناك، وعشت هناك 12 عاما بعدها حدث الغزو، وأنت تسألني الآن عن تلك الفترة أرى شريط الذكريات يمر أمام عيني وكأنني مازلت هناك، كانت الكويت في الثمانينات متألقة ثقافيا وفنيا ولا يمر يوم إلا وهناك كم من الأنشطة المختلفة، نعم كنت طفلا ولكن مشاهداتي حتى وإن بدت في وقتها أكبر من سني إلا أنني أعيد صياغتها بعقلية واعية، الكويت معروفة بسبقها على مستوى منطقة الخليج في كثير من الأشياء، فقد كانت المحميات الطبيعية موجودة بكثرة وكنا نزورها مع الرحلات المدرسية، كذلك المتنزهات والحدائق الكبيرة والملاهي، وأذكر منها منتزه شاطئ العقيلة الذي لا يخلو من الرواد طوال العام، وكذلك شاطئ السالمية وحديقة وشاطئ المسيلة وكلها أماكن ترفيهية تقام فيها الأنشطة العائلية، وعلى خلاف كثير من الدول لا ترى في الكويت زحاما مروريا، فالشوارع منظمة وواسعة كما أن هناك بنية تحتية ممتازة على جميع الأصعدة.
في هذه الأجواء نشأت في أسرة مكونة من سبعة أشقاء ووالد يعمل تاجرا ولديه محل لبيع المفروشات، كنا مدللين وطلباتنا كلها مجابة، إلى أن جاء عام 90 حاملا معه تجارب قاسية عانى منها كل مواطن ومقيم على أرض الكويت، كنت في وقتها في الصف الخامس الابتدائي، وفي صباح يوم الثامن من أغسطس كنت مع والدي متوجهين كالعادة لفتح المحل في منطقة خيطان، ونحن على الطريق أخبرنا السائق الذي كان يعمل مع والدي أن الجيش العراقي دخل الكويت، لم نصدق في البداية لكننا عندما شاهدنا سحب الدخان تتصاعد في الأفق، ساعتها اشترينا المواد الغذائية بكثرة وعدنا إلى البيت ورحنا نتابع الأخبار عبر التلفزيون، كان المذيع يلبس الغترة والعقال لكن صوته لم يكن كويتيا خالصا وشابته اللهجة العراقية، وكان يردد ما مفاده أن الحقوق عادت لأصحابها وأن الكويت هي مجرد محافظة تابعة للعراق، وبعد 15 يوما بدأت الحواجز العراقية تظهر في الشوارع وكانوا يسألوننا عن الهويات فقط، وللأمانة لم نلاحظ أية مضايقات للناس أو حتى إهانات من الجنود، وأذكر أن والدي في تلك الأثناء كان قد سمع بتشكيل المقاومة الكويتية وذهب إلى مركز الشرطة التابعين له وقدم نفسه للانضمام للمقاومة، وقالوا له إنهم سيتصلون به في حل احتياجهم لكنهم لم يتصلوا.
كانت التجربة قاسية جدا بالنسبة لنا نحن الأطفال، لكنني شخصيا تعلمت منها الكثير مع أنني كنت طفلا، فمن بعد الدلال والعيشة السهلة أصبحنا أمام مهام فرضت علينا، كنا نقوم بإحضار الماء بعد تعبئته من السيارات التي كانت تأتي على فترات متفاوتة، وكنا نقوم بتنظيف الحي ونجمع النفايات حتى لا يتجمع الذباب، أما في البيت فقد عرفنا أن هناك طرقا أخرى للطهي على الموقد، إذ كنا نجمع الحطب ونستنشق الدخان في البيت.
وغابت عنا الوجبات الشهية التي تعودنا عليها، حتى ألعابنا أصبحنا نبتكرها ونصنعها بأنفسنا، لقد عادت أحياء الكويت وعلى مدار سبعة أشهر إلى العصور الأولى، فلا كهرباء ولا ماء ولا غاز ولا سلع تموينية، وعندما نخرج للشارع نرى البنايات المحترقة وكذلك السيارات، وأصبح دوي القذائف وأزيز الطائرات أمرا مألوفا لنا، كنت أرى الحزن على وجه والدي رغم تماسكه الظاهري.
فقد ضاع كل شيء عندنا، المحل بمحتوياته والسيارة، وراح والدي يتاجر مع الجنود العراقيين حيث يشتري منهم الأقمشة والملابس ويبيعها لأهل الحي، وربطته صداقة مع أحد هؤلاء الجنود وهو من محافظة أربيل، وأرسلني والدي أنا وأخي إلى هناك عند عائلة الجندي حفاظا علينا، ففي ذلك الوقت تم ضم الكويت رسميا وتم تغيير أسماء كل المؤسسات وأصبح التنقل بين الكويت وبقية محافظات العراق سهلا، المهم أنني أقمت في أربيل لفترة وجيزة لكنها كانت جميلة جدا، تذوقت الشاي العراقي بالهيل وكنت أذهب كل يوم عند رجل عجوز يقدم الشاي في زاوية صغيرة، كما تذوقت الغناء العراقي.
ومن وقتها أصبحت عاشقا للطرب العراقي، وفي أربيل يوجد منتزه كبير كنت أذهب إليه يوميا مع شقيقي، والحق أن الشعب العراقي طيب وأصيل وكريم، مثله مثل الشعب الكويتي المضياف الذي عشت وسطه كما لم أعش في بلدي.
عدت من العراق إلى الكويت مرة أخرى وسط حشود عسكرية لاقتحامها، كنا خائفين من الحرب الكيماوية والحرائق التي هدد العراقيون بإشعالها، وكان مصدرنا الوحيد للأخبار هو التلفزيون العراقي، مكثنا في البيوت مع بداية حرب التحرير إلى أن خف صوت الطائرات وضجيج المدافع والقصف، وبدأنا نشاهد قوات التحالف تتمركز في الشوارع فساد الاطمئنان بين الناس، ومع خروج مواكب الفرح خرجنا مهللين ومعبرين عن سعادتنا، لكن الأزمة الاقتصادية استمرت إلى ما بعد التحرير، خصوصا وأن الحكومة الكويتية كانت قد ألغت التعامل بعملتها القديمة فأصبحت الحياة صعبة بالنسبة لوالدي، فقررنا العودة إلى سوريا.
أما بالنسبة لسفراتي الأخرى فقد سافرت إلى لبنان وقبلها كنت قد اكتشفت معالم سوريا التي لم أرها قط كوني كنت مغتربا في الكويت، وما حدث هو أنني وزملائي في العمل قررنا أن نزور كل سنة بلدا، وهم الذين اختاروا في البداية سوريا ولبنان، والحق أن الرحلة كانت جميلة طفنا فيها جميع محافظات سوريا بالسيارة وتعرفنا على المعالم السياحية، كنا في غاية الانبهار لدرجة أننا حين وصلنا إلى بيروت كان حماسنا قد خفت بعض الشيء ولم تشدنا الطبيعة هناك.
والزيارة الثانية كانت لمصر على هامش تغطية احد المهرجانات التلفزيونية، لكنني انتهزت الفرصة وقمت بزيارة الأهرامات والمتحف الفرعوني، وأعجبتني منطقة الحسين لما فيها من تاريخ وإرث حضاري، ولا أريد أن أكون في وضعية المجامل على الإطلاق إذا قلت بأن مصر رائعة بطبيعتها وشعبها وحضارتها وثقافتها وفنونها ونيلها العظيم، وأن القاهرة مدينة فريدة في ليلها وأحيائها وتضم كل المتناقضات في لوحة استثنائية.
إضاءة
درس رائد الدالاتي في كلية التجارة والاقتصاد وتخرج من جامعة حلب عام 1997، وفي نفس العام جاء إلى الإمارات والتحق بالعمل في تلفزيون الشارقة كمساعد إنتاج، ثم تدرج في الوظائف وعمل مديرا للإنتاج، شارك كممثل في أكثر من 12 عملا تلفزيونا، ومثل على خشبة المسرح في مسرحيتي الاسكندر الأكبر والنمرود وحصل على جائزة أفضل ممثل دور ثان في مهرجان دبي لمسرح الشباب عام 2008، ويعمل الآن مخرجا في تلفزيون الشارقة.
عز الدين الأسواني



