في قاعة الشعب الشهيرة بالعاصمة الصينية بكين، وفي مثل هذا اليوم من عام 1984، وقعت رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك مارجريت تاتشر، ونظيرها الصيني زهاو زيانغ، اتفاقا تاريخيا يقضي باعادة جزيرة هونغ كونغ التي كانت في ذلك الحين تخضع للسيادة البريطانية- الى الوطن الأم الصين وذلك في عام 1997. وما تعهدت به المرأة الحديدية أوفت به بريطانيا، اذ صارت الجزيرة في أحضان الصين، ولكن تحت شعار «دولة واحدة ونظامان».

بدأت فصول احتلال بريطانيا للجزيرة خلال حرب الأفيون الأولى عام 1841. ويقال ان الصين تنازلت عن حقها في الجزيرة بموجب «اتفاقية نانكين». وبعد حرب الأفيون الثانية، حصلت بريطانيا على المزيد من التنازلات والمزيد من الأراضي . وقامت ابتداء من أول يوليو عام 1898 باستئجار العديد من الأراضي المتاخمة للموقع لمدة 99 عاما. وقبل موعد تسليم الجزيرة للصين - في أول يوليو عام 1997- غادر هونغ كونغ 34 ألف من سكانها عام 95 في ظل مخاوف من الهيمنة الشيوعية على الجزيرة. واضطرت السلطات البريطانية إلى تشديد قيود الهجرة على المواطنين. وبعد إعلان الصين عن حل المجلس التشريعي المحلي بعد استرجاعها لهونغ كونغ، طلب أكثر من130 ألف شخص بطلب الحصول على جواز سفر بريطاني.

ولكن بعد استلام الجزيرة في أول يوليو 97، طبقت الصين مبدأ دولة واحدة لنظامين (اشتراكي شيوعي في الوطن الأم ورأسمالي في الجزيرة) للقضاء على مخاوف سكان الجزيرة، ودفعها إلى ذلك أيضا عدة عوامل أهمها، أن هونغ كونغ منذ خضوعها للسيادة البريطانية، صارت من ركائز النظام الرأسمالي العالمي. كما عززت دورها منذ منتصف القرن العشرين كمستودع عالمي للبضائع والمنتجات، وبها استثمارات ضخمة في قطاع الصناعة، حتى صارت من أقطاب الصناعة والمال والتجارة في العالم. وقبل عامين من تسليمها للصين، بلغ الناتج الإجمالي للجزيرة 15 أكثر من 150 مليار دولار أي خمسة أضعاف ما كان عليه قبل ذلك التاريخ بعشر سنوات. والناتج المحلي الفردي يعد من أعلى المعدلات في العالم وترتيبه الخامس. ويضاف الى ذلك أن حجم الأصول المالية في بورصة هونغ كونغ تجاوز 300 مليار دولار، أي 6 أضعاف فرنسا.

مثل هذا المعطيات، دفعت الحكومة المركزية في الصين الى الإبقاء على النظام الرأسمالي للجزيرة. ويعد ميناء هونغ كونغ مع ميناء شانغهاي الناهض أهم موقعين اقتصاديين في شرق آسيا الآن. بل وصار ميناء هونغ كونغ مركز التبادلات التجارية بين البر الصيني والعالم.

النجاح الذي حققته هونغ كونغ منذ عودتها للسيادة الصينية، يدل على ان اهالى الجزيرة ـ باعتراف الرئيس الصينى هو جين تاو ـ قادرون تماما على إدارة هونغ كونغ جيدا ويحافظون على نموها، وانها ما زالت تصنف على انها المنطقة الأكثر انفتاحا وذات الاقتصاد الحر وواحدة من المناطق الأكثر ديناميكية مع أفضل بيئة عمل بالعالم.

وفى الملتقى بمناسبة الذكرى العاشرة لعودة الجزيرة إلى الصين وإطلاق حكومة الفترة الثالثة لمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، قال الرئيس هو جين تاو، انه فى خلال العقد الماضي حافظت هونغ كونغ على نظامها الرأسمالي وطريقة الحياة ومارست بشكل تام سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية مستقلة بما فى ذلك سلطة الحكم النهائي حسب تفويض القانون الاساسى. باختصار حسب تعبير الرئيس الصيني - «اهالى هونغ كونغ يحكمون هونغ كونغ». وساهموا بنصيبهم فى عملية تحديث الصين. على هذا الأساس، فان مبدأ «دولة واحدة، ونظامان» الذي أطلقته بكين منذ عادت الجزيرة اليها، قد تم تطبيقه بنجاح.

بالنسبة للأزمة المالية العالمية الراهن، يقول الرئيس التنفيذي لمنطقة هونغ كونغ الادارية دونالد تسانغ (الحاكم)، «ان الوقت الراهن يشهد اضطرابا ونحن نواجه مخاطر متعلقة باقتصادنا ومجتمعنا وحياتنا اليومية وتعهد بالالتزام بمبدأ سوق كبيرة وحكومة صغيرة من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية».

ووفقا لتسانغ فإن النمو الاقتصادي لهونغ كونغ انخفض بشكل ملحوظ بنسبة 2 .4% خلال الربع الثاني من هذا العام، ويتوقع ان يشهد الاقتصاد المزيد من التباطؤ نتيجة تدهور أزمة الائتمان العالمية، وسيحتاج التحسن لوقت أطول وسيكون أكثر صعوبة وبالتأكيدلا يمكن ان يتحقق ببساطة. ومع ذلك ستنفذ الجزيرة مشروعات البنية التحتية الرئيسية واستراتيجيات التنمية المدرجة في برنامج الحكومة المحلية لتعزيز دور هونغ كونغ كمركز مالي عالمي.

ولجذب المزيد من الاستثمارات، تعهد تسانغ في العام الماضي، بأن يسعى لمنافسة ماليزيا وسنغافورة كمركز مالي إسلامي.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عنه قوله إن تقديم خدمات مالية تتفق مع الشريعة الإسلامية يتيح فرصا هائلة للتقدم. واعتبر ان تعزيز وضع هونغ كونغ كمركز مالي عالمي يحتم ضرورة تفعيل صيغة إسلامية للتعاملات المالية.

وعن مستقبل الجزيرة، يؤكد حاكمها تسانغ إن سلطات بكين ستمنح هونغ كونغ حق انتخاب رئيسها قبل 2017 ونواب برلمانها قبل 2020 بواسطة الاقتراع المباشر. وقال إن هذا القرار يُعد أهم خطوة على طريق مستقبل الجزيرة التي استعادتها الصين قبل 11 عاما.

إضاءة

يبلغ عدد الجزر في هونغ كونغ 236 جزيرة، تقع كلها في جنوب بحر الصين، من بين هذه الجزر تعتبر لانتو الأكبر تليها جزيرة هونغ كونغ، وهي أول الجزر من حيث تعداد السكان.

وتشمل منطقة هونغ كونغ بوجه عام : جزيرة هونغ كونغ، كولون التي ترتبط بالأراضي الجديدة في الشمال، والتي بدورها ترتبط بأراض البر الصيني عبر نهر تشان تشون.

ويقدر عدد سكان الجزيرة الآن بحوالي سبعة ملايين نسمة، يشكل الصينيون حوالي 97% والباقي من الفلبينيين وأغلبهم من عمالة المنازل، والبريطانيين والأميركيين.

واللغتان الرسميتان في هونغ كونغ هما: الإنجليزية والصينية. وتستعمل الإنجليزية في المجالين القضائي والسياسي. ومن الطريف أن سكان الجزيرة يواصلون قيادة السيارة على جهة اليسرى من الطريق على الطريقة الإنجليزية.