ارتبط الباحث الفرنسي « جان لامبير» بالتراث الغنائي الصنعاني في اليمن منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، أثناء عمله كملحق ثقافي لسفارة بلاده في صنعاء وحتى يومنا هذا من خلال عمله كمدير. وقد وصل ارتباطه بهذا الفن إلى أن أصبح تخصصه عزفا وبحثا ودراسة إلى الحد الذي جعله ينافس أصحابه الأصليين وكان موضوع أطروحته للدكتوراه وقد أضحت هذه العلاقة أوسع وأشمل بعد أن بدأ يمد اهتمامه إلى توثيق الثقافة الشعبية ككل حسب ما أعلنه مؤخرا .
فمنذ أن ولع الباحث الإنثروبولوجي جان لامبير بهذا الغناء وهو يردده ويحمله إلى كثير من المحافل المحلية والإقليمية والدولية الدولية وتكللت جهوده بالنجاح في بلورة قضية كانت غائبة او شبه منسية عندما نقلها إلى المنابر الأممية وتحديدا إلى اليونسكو التي أدرجت الغناء اليمني الصنعاني عام 2003 ضمن قائمة روائع التراث الشفوي الإنساني العالمي التي وضعت العام 2001 و تحظى برعاية ودعم المنظمة الأممية .
وقد تواصل اهتمام الرجل وشغفه إلى الحد الذي جعله يؤلف كتابا في هذا الموضوع اسماه «طب النفوس» وغاص من خلاله في تاريخ الغناء الصنعاني إلى نحو يمتد لأكثر 500 سنة، ويغنيه اليمنيون بعود خاص يعرف محليا باسم «الطُربي»، وهو عود أصغر حجمًا وطولاً من العود المعروف حاليا، يصنع من جلد الماعز، وله أربعة أوتار، تصدر نغمات رفيعة، وعادة ما يصاحب أداء الغناء الصنعاني آلات محلية كالدفوف والصحون النحاسية و الدربوكة ودفوف الصحون النحاسية وجميعها أصبحت آلات طيعة في يد لامبير يداعبها ويصدح بها كلما اقتضه الحال أن يعرف بهذا الفن .
ويتميز تعاطي الباحث الفرنسي لامبير مع هذا الفن بأن جهده لم يقتصر على الإعجاب فحسب بل تحول موضعا للدراسة والتأمل في ثقافات الشعوب بمنهجية تقوم على قدر كبير من التقصي والتحقيقات المتتالية استهدف كبار السن ممن يتقنون هذه الفن وممن يبرعون في العزف على أدواته التقليدية التي اندثر معظمها ولم يبق منها
ولا يبدو أن ولع الباحث الإنثروبولوجي يقف عند حدود الفن الصنعاني بل امتد إلى مجمل الثقافة الشفوية اليمنية التي يرى أنها عرضة للاندثار وتحتاج إلى وقفة جادة لتدوينها بمختلف الوسائل الحديثة بماهي تراث إنساني وبدأ يشتغل على هذا المشروع. وحسبما أشار فإنه يسعى لدى منظمة « اليونسكو» لإدراج توثيق الموروث الشعبي الشفوي اليمني ضمن المشاريع التي تحظى بدعم المنظمة وأنه على هذا الأساس دعا إلى تبني إستراتيجية وطنية لتسويق الموروث الثقافي الشفوي اليمني لما ينطوي عليه من غناء وفير يهم كل جوانب الحياة الإنسانية .
وقد كشف الباحث الفرنسي مؤخرا في محاضرة له بمركز سبأ للدراسات الإستراتجية عن مشروعه الجديد الخاص بمجمل الثقافة الشفوية التي يرى أنها عرضة للزوال إذا لم توضع إستراتيجية وطنية لتوثيق التراث الشفوي اليمني غير المكتوب وتدوينه بمنهجية مدروسة. ويؤكد لامبير أن التراث الثقافي اليمني يحوي قائمة كبيرة وثرية من التراث المحكي لكنه يتعرض للاندثار والانقراض بسبب عدم الاهتمام به ، مشيرا إلى أن المجالات الثقافة متداخلة ومترابطة ببعضها البعض.
وحول ملامح المشروع الذي يدعو إليه يقول لامبير أنه يهدف إلى تكوين ذاكرة ثقافية بالوسائل الحديثة المكتوبة والمصورة تبدأ من المسح فالتقصي والتحقق من كل جوانب الثقافة الشفوية التي تشمل الشعر الزجل ، الأمثال ، الحكي ، أشعار وأقوال الأمومة والطفولة وكل ما يندرج ضمن الإرث الثقافي الذي كون تلك الذاكرة وشكلها عبر قرون طويلة من الزمن.
