نشرت صحيفة الاندبندنت البريطانية قبل أسابيع أن شركة بلاك ووتر الأميركية بدأت في عرض خدماتها الأمنية على شركات الملاحة الدولية، أعلنت فيها استعدادها لتوفير حراسات أمنية للسفن ضد أعمال القرصنة.

وتشمل هذه الخدمات إنشاء أسطول من السفن. وكما أشارت الصحيفة فإن الشركة بدأت أعمالها بالفعل مستخدمة عددا من رجالها في تأمين الحماية لسفينة تدعى ماك آرثر كبداية لهذا العمل الجديد. هذا الخبر ( اذا صح) لا يمكن فهمه إلا في إطار التوظيف الدولي لمشكلة القرصنة التي استفحلت حديثا في خليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي.

فهناك من يصنع المشكلة أو يساعد على صنعها ورعايتها حتى تكبر وتصبح خطرا عاما، ثم يتقدم بنفسه أو يدفع بآخرين مقربين منه للاستفادة من الحل، إذ لا يمكن فهم حدوث هذه القرصنة الصومالية واستمرارها، في ظل كثافة الوجود البحري العسكري الأميركي، في المناطق التي يرتكب فيها القراصنة جرائمهم، إلا في إطار التواطؤ والتوظيف.

الآن تتقدم شركة بلاك ووتر لعرض خدماتها الدولية في أعالي البحار، بعد أن بدأت الأمور في العراق تجري لغير صالحها، مع إقرار الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق والحكومة الأميركية، والتي ستدخل إلى واقع التنفيذفي أول يناير المقبل، فمع الاتفاقية لن يستمر تمتع هذه الشركة بالحماية القانونية التي كانت تتوافر لها خلال السنوات الماضية، مما يعني التضييق على تحركاتها مستقبلا.

في الفترة الماضية مكنت الحماية القانونية الأميركية العراقية بلاك ووتر من ارتكاب جرائم بشعة بحق المدنيين العراقيين، وذلك في مقابل تقديم خدمات جليلة لقوات الاحتلال، فقد ساعدت الجيش الأميركي استخباراتيا، وفي تأمين وصول الإمدادات اللوجستية إليه، وفي حفظ الأمن بالمواقع الحساسة، ومنها المنطقة الخضراء ببغداد التي يتحصن فيها كبار الشخصيات الأميركية والعراقية، والدبلوماسيين من مختلف الجنسيات.

كما شاركت في مطاردة المقاومة العراقية. وهي أيضا كانت السبب المباشر في أحداث الفلوجة الدامية عام 2004, التي قصفت فيها القوات الأميركية المدينة بالأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا مما دفع أطرافا دولية إلى وصف ما جرى بجريمة حرب كبرى. ومن أجل هذه الخدمات حصلت الشركة على المليارات من الدولارات، لكن المتوقع ألا يكون عطاء الإدارة الأميركية الجديدة لها في الفترة المقبلة بنفس سخاء إدارة الرئيس جورج بوش.

فالرئيس المنتخب باراك أوباما لم يخف نواياه في سحب قوات بلاده من العراق، ومن ثم فلن يكون بحاجة إلى خدمات هذه الشركة. وهذا يعني تراجع مكاسبها المالية بدرجة كبيرة. ويعزز ذلك أن الاتفاقية الأمنية الأميركية العراقية التي تم إقرارها تنص أيضا على انسحاب القوات الأميركية بعد ثلاث سنوات، وهكذا لم يعد العراق منجم الذهب للشركة، ولن يكون كريما معها كما كان خلال السنوات الخمس الماضية، ومن ثم فلابد من بدائل ومصادر جديدة لجني المليارات السائبة. فالشركة لا تعرف الكسب إلا من أعمال الحرب والقتل والتدمير، فهي تمتلك جيوشا هائلة من المرتزقة المتحركين حول العالم، وللشركة أسطول جوي من الطائرات المقاتلة يفوق جيوش بعض الدول.

الآن جاءت الفرصة مع القرصنة لتنقل بلاك ووتر نشاطها إلى أعالي البحار، ولتتحول إلى إمبراطورية عالمية مقاتلة جاهزة على تقديم خدماتها لمن يدفع، شرط أن يكون ذلك في إطار منظومة المصالح الأميركية، فالشركة وأصحابها ومسؤوليها هم من رجالات البنتاجون السابقين الذين يتحركون وفق الاستراتيجيات الأميركية في العالم، ولذا فهم يتواجدون في كل مناطق النزاعات التي تخدم المصالح الأميركية، ويتحركون سريعا إلى الأماكن المرشحة أميركيا لدخول دائرة الفوضى والتخريب.

وهذا ينطبق من دون أدنى شك على تحركهم الأخير باتجاه مياه العرب بفعل القرصنة الصومالية. فمن غير المستبعد أن تتواجد هذه الشركة بجنودها المرتزقة في مياه البحر الأحمر، وتهدد الدول المطلة عليه مستقبلاً، فهذه الشركة التي تمتلك اليوم طائرات مقاتلة ليس مستبعدا أن تمتلك الغواصات الحربية فيما بعد.

الأمر ليس بعيدا ولا غريبا، فدروس أميركا من حرب واحتلال العراق أثبتت لها أن حروب المرتزقة أرخص وأجدى من الحروب النظامية التي يخضع فيها الساسة والعسكريون لضغوط الرأي العام والمحاسبات القانونية والبرلمانية.