تطل من تلتها الصغيرة على الخليج تؤنس وحدته في الليل، وتروي له حكايتها القديمة، عندما صمدت بوجه نيران الطغاة، حينها لم تقبل الموت رغم ما أثخنته من جراح، لتبقى وفية لمن عاش فيها يوماً وحارب من على ظهرها.
تلك ليست بداية حكاية منسية إنما هي قصة قلعة ما زالت شامخة على تلتها، لم تغادر المكان رغم حرارة الحرب، وأصرت على أن تعيش طويلاً وأن تبقى عينا تحرس المزارع والأرض. من إحدى التلال الصغيرة المطلة على قرية شمل الواقعة شمال رأس الخيمة تروي «قلعة ضاية» التاريخية التي يعود انشاؤها إلى بدايات القرن التاسع عشر حكايتها. - جذور القصة: يبدو أن اتخاذ القلاع على قمم الجبال في الدولة ليس وليد الفترات الزمنية المتأخرة، إنما يعود هذا النظام العسكري إلى آلاف السنين بحسب ما تبينه الآثار المكتشفة في مختلف مناطق الإمارات، ورغم اختلاف الآراء حول تاريخ انشاء القلعة، فهناك من يقول إنها بنيت في زمن القواسم، وهناك من يراها برتغالية البناء، وهناك من يعتقد أن البرتغاليين قاموا بترميمها بهدف الاستفادة من موقعها، وثمة رأي آخر يقول: سكان المنطقة هم الذين بنوها مستفيدين من الطبيعة الجغرافية كوسيلة للمقاومة، الا انها تعتبر حالياً الحصن الوحيد في الإمارات الذي ما زالت آثاره قائمة على قمة هضبة.
وتشير الدلائل التاريخية الى أنه قبل نحو 5000 عام استوطنت واحة ضاية، حينها كان التل المشرف عليها نقطة تمركز هذه المستوطنات، وعند إنشاء القلعة احيطت قمة التل بسور صخري ملئ داخله بالحصى ليشكل سطحاً مستوياً، وارتبط ببرجين من الطوب الطيني، وفي الوسط توجد العديد من الصخور التي تشير إلى وجود مبان شبه دائمة مكملة لتلك الأبراج. ومنذ انشائها استخدمت القلعة كمنطقة دفاعية ضد الغزاة، ورغم أنها لم تكن مجهزة لمواجهة فترات الحصار الطويلة، لافتقارها لخزان مياه، إلا أنها كانت مركزاً للدفاع ضد هجمات العدو السريعة، ما جعلها تشكل مع عدد من أبراج المراقبة الأخرى التي كانت تحيط منطقة ضاية نظاما دفاعيا منيعا. وقد بنيت هذه التحصينات بطريقة تؤمن للمدافعين عملية الصعود اليها، بالمقابل تقف سدا منيعا امام المهاجمين، ولذلك استغل التكوين الطبيعي للمناطق المرتفعة لتكون مانعة للمهاجمين والأعداء.
أهمية تاريخية: وإلى جانب إطلالتها المميزة على سهول خصبة في منطقة تحيط بها بساتين النخيل، لتشكل مع الهضبة الجبلية المخروطية الشكل ومنظر بساتين النخيل منظراً رائعاً، تتمتع قلعة ضاية التي يتطلب الوصول إليها اجتياز 235 درجة مبنية من الأسمنت، بأهمية تاريخية كونها آخر نقطة مقاومة ضد الهجوم البريطاني على رأس الخيمة عام 1819. حيث دارت معركة ضارية بين أهالي رأس الخيمة والقوات البريطانية، وتذكر الدلائل التاريخية بأن القوات البريطانية قامت حينها بنقل المدافع الثقيلة من السفن إلى أماكن أخرى لتتمكن من الهجوم على القلعة، وفي صباح يوم 19/12/1819، وبعد رحلة شاقة للقوات البريطانية من الباخرة عبر المستنقعات الموحلة والمليئة بأشجار القرم الكثيفة، وصلت القوات لمواقع قريبة من القلعة وفتحت مدفعية السفن الإنجليزية الرابضة على الساحل نيرانها على جدران القلعة وأبراجها.
بينما اشتبكت قوات الميجر «وارن بالنزول» مع القوات القاسمية بقيادة حسن بن علي التي ما لبثت أن تراجعت نحو القلعة، لتبدأ جولة جديدة من القتال بين الطرفين، قامت فيه المدفعية الإنجليزية بدك جدران القلعة التي صمدت لمدة يومين، وفي ظل هذا الصمود قام البريطانيون باستخدام قذائف مدفعية عيار 24 رطلاً من سفينة القيادة «ليفربول»، وبعد تمكنها من إحداث عدد من الفجوات في سور القلعة، أصدر «وارن» أوامره إلى الجنود بالنزول واقتحام القلعة، وكانت النيران قد شبت في كل أرجائها، ولم تتوقف المدفعية إلا بعد استسلام المدافعين.
أصغر من الزباء
لا تختلف قلعة ضاية التي يبلغ طولها 27 مترا وعرضها 19 متراً، وتقع فوق المرتفع المدبب لأحد جبال ضاية التي يطلق عليها اسم «زير»، في موقعها وطريقة بنائها عن قصر الزباء الذي يبتعد عنها نحو ثمانية كيلومترات، وهي أصغر حجما من قصر الزباء، وزائر القلعة سيلاحظ أنها تشرف على حصن آخر بني في أسفل الجبل، اعتلت جدرانه وقواعده الإهمال والتهدم نتيجة عدم الاهتمام والترميم، وكان يعتبر مقراً للسكن بينما اعتبرت القلعة في أعلى الجبل حصناً عسكرياً، وقد تم بناء الحصن من الطوب واللبن، وكان يستخدم كمنتجع حيث يتجمع فيه المقيمون والعاملون في بساتين النخيل وكذلك حيواناتهم للدفاع عن أنفسهم وقت الخطر.
ترميم القلعة
وفي عام 1999 قامت دائرة السياحة في رأس الخيمة بإعادة ترميم القلعة وبناء درج شيد بنظام هندسي ومعماري يسهل معه الصعود إلى القلعة دون عناء، وقد انتهت أعمال الترميم الأخيرة في شهر أبريل من عام 2001. ويمكن لزائر القلعة الاستمتاع بالهدوء الذي يلف المكان، الى جانب المناظر الطبيعية الخلابة التي تحيط القلعة.
غسان خروب



