نورماندي .. مقاطعة فرنسية ساحلية ذات طابع سياحي تقع على ساحل فرنسا جنوب القنال الإنجليزي. ولكن مجرد ذكرها يتبادر إلى الذهن أهم حدث عسكري في التاريخ الحديث وهو معركة نورماندي في أواخر الحرب العالمية الثانية. فقد شهدت تلك المنطقة في السادس من يونيو عام 1944، أكبر عملية إبرار بحري في التاريخ لقوات الحلفاء حسمت بها الحرب بعد 80 يوما من القتال العنيف الذي حصد أرواح ثلاثة ملايين من بينهم ربع مليون جندي.
هناك نورماندي أخرى يتحدث عنها التاريخ. وهي أكبر وأسرع وأفخم سفينة ركاب فرنسية ظهرت في بداية عقد الثلاثينات، وكان مصيرها هو نفس مصير سفينة تايتانيك البريطانية التي غرقت في مياه المحيط الهندي المثلجة خلال رحلتها من انجلترا الى الولايات المتحدة في ابريل عام 1912. نورماندي تختلف عن تايتانيك، في أنها غرقت ولم تكن في رحلة عبر البحار أو المحيطات، بل كانت رابضة في ميناء نيويورك منذ أن استولى عليها الأميركيون في مثل هذا اليوم من عام 1941 في أوج نيران الحرب الثانية. نورماندي السفينة.. تعد في تاريخ صناعة السفن أوسع وأسرع وأفخم سفينة في العالم وقت بنائها عام 1932. بدأ تشييدها في يناير 1931، أي بعد وقت قصير من كارثة انهيار سوق الأوراق المالية عام 1929. وتم تجهيز السفينة بحيث تبلغ حمولتها 85 ألف طن في المياه.
وبلغ طولها 1029 قدما وبعرض 119 قدما، وسرعتها 29 عقدة ( 54 كيلومترا في الساعة) وقوتها 200 ألف حصان. ومجهزة بأربع ماكينات توربو كهرباء بقوة 160 ألف حصان. وطاقم نورماندي مكون من 1345 فردا. وتحمل 1972 راكبا. منهم 670 للدرجة السياحية ، 848 للدرجة الأولى، و1345 للدرجة الثالثة. وقد دشنت السفينة في 29 أكتوبر 1932، وبدأت أول رحلاتها في 29 مايو 1935. وفي عام 1940، عندما استسلمت فرنسا لألمانيا النازية في أوج الحرب العالمية الثانية وتم تنصيب حكومة فيتشي العميلة، كانت نورماندي في ميناء نيويورك.
وتقول الوثائق التاريخية، أن السلطات الأميركية، أحتجزت في 12 ديسمبر 1941، الباخرة نورماندي، مع 13 سفينة فرنسية أخرى، ويقال أن واشنطن لم تقبل التفاوض بشأنها مع حكومة المقاومة التي ترأسها الجنرال شارل ديجول. وقررت الولايات المتحدة بعد استيلائها على نورماندي أن تسمي السفينة «يو اس اس لافاييت»، في إشارة الى التحالف الأميركي- الفرنسي التاريخي. وقرر الأميركيون استخدامها للخدمة العسكرية خلال الحرب.
ولكن لم يهنأ الأميركيون بالغنيمة الفرنسية طويلا، فقد اشتعلت النيران في السفينة وغرقت في رصيف الركاب بميناء نيويورك في 9 فبراير عام 1942. وظل حطامها في قاع المياه طوال ما تبقى من الحرب العالمية الثانية، الى أن تقرر بيع حطامها كخردة في 3 أكتوبر 1946.
بعد عامين من غرقها، تابع العالم فصول نورماندي أخرى أكثر إثارة. وهي عملية الإنزال الكبرى على شواطئ فرنسا في السادس من يونيو 1944. عملية الإنزال كما يقال جاءت استجابة لطلب الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين من الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في مؤتمر الحلفاء بطهران عام 1943. فقد كان ستالين يريد من الحلفاء فتح جبهة جديدة ضد الألمان لتخفيف الضغط العسكري النازي عن الجبهة الروسية التي شهدت أكبر خسائر بشرية في الحرب العالمية الثانية سواء بين المدنيين أو العسكريين.
وبالفعل قامت قوات ضخمة أميركية وبريطانية وفرنسية بإنزال بحري وجوي لم يشهد التاريخ مثله على شواطئ نورماندي في شمال غرب فرنسا، وانتهت المعركة بعد 80 يوما بتحرير العاصمة الفرنسية باريس في الثاني والعشرين من أغسطس 1944. وقبل سنوات، كشفت وثائق سرية لجهاز الخدمة السرية البريطاني -ام اى 5 - عن ان نجاح الحلفاء في إنزال قواتهم على سواحل نورماندى جاء بفضل خدعة ناجحة قام بها عملاء مزدوجون، زودوا النازيين بمعلومات خاطئة.
وسميت الخدعة بعملية «فورتتيود» ومعناها « ثبات» والتي تضمنت إقناع الألمان ان إنزال الحلفاء لقواتهم على شواطئ نورماندى «عملية نبتون» ما هو الا تمويه قصد به إخفاء هجوم حقيقي كبير سيقع بعيدا الى الشمال من ذلك الساحل.
وأقنعت الخدعة الألمان بعدم دفع فيالق دباباتهم إلى نورماندى لعدة أيام مانحين بذلك الفرصة أمام قوات الحلفاء في القتال. وأظهرت الوثائق ان عملية الثبات جاءت كانتصار شخصي لأكثر أنظمة العمالة المزدوجة نجاحا والذى أداره البريطاني جان بول غارسيا واسمه الحركي «غاربو» والذى قاده خداعه البارع لكي يصبح الرجل الوحيد الذي ينال وسام الصليب الحديدي الالمانى ووسام الشجاعة البريطاني معا.
وأرسل غاربو رسالة شفرية بالغة الأهمية الى الاستخبارات الألمانية في الساعات الأولى من يوم الجمعة التاسع من يونيو عام 1944 قال فيها ان هجوم الحلفاء بدأ في السادس من يونيو مقترحا ان قوات الغزو الحقيقية مازالت محتجزة فى بريطانيا كاحتياط.


