بعد أن احتلت موقعا مهما على صدارة الأنباء العالمية لعدة أيام يبدو أن الأزمة السياسية في تايلاند في طريقها إلى الحل إثر إنهاء آلاف المحتجين المطالبين باستقالة الحكومة اعتصامهم في مطار العاصمة بانكوك، وهو التطور الذي جاء بعد يوم من صدور حكم قضائي بحل الحزب الحاكم ومنع رئيس الوزراء سومتشاي ووانغساوات من مزاولة السياسة.
وتثير الأزمة التي عاشت تايلاند فصولها وتصاعدت بشكل كبير الفترة الماضية التساؤل حول حكمة القيادات التي من المفترض أنه يناط بها إدارة مقاليد البلاد سواء سياسيا أم عسكريا. وبشكل خاص لجهة تأثيراتها بالغة الضرر ليس على صعيد صورة البلاد سياسيا في الخارج وإنما على الصعيد الاقتصادي على نحو أصبح مس حياة الكثير من التايلانديين بفعل الضرر الكبير الذي تحلقه بالاقتصاد القومي. ويلحظ المتابع لتطورات الأزمة أنها تعود إلى أكثر من ثلاث سنوات مضت على وتيرة تكاد تكون واحدة رغم بعض التطورات المفصلية في الأحداث.
فرغم تدخل الجيش على خلفية الأزمة ونجاحه في الإطاحة برئيس الوزراء السابق تاكسين شيناواترا من خلال انقلاب عسكري على خلفية دعاوي بالفساد ومعاداة الملكية، إلا أن حزب الشعب الذي يرأسه شيناواترا نجح في الاحتفاظ بدوره وشكل الحكومة ولكن برئاسة سومتشاي صهر الأول الأمر الذي اعتبره التحالف يمثل مواصلة بشكل أو بآخر لفترة حكم رئيس الوزراء السابق، ما استدعي من وجهة نظر التحالف الذي يضم موالين للملكية ورجال أعمال وبعض أبناء الطبقة الوسطى مواصلة معارضتهم من اجل الإطاحة بسومتشاي.
وقد اتخذ الصراع بين الحكومة والتحالف المعارض لها أشكالا مختلفة انعكست في مصادمات بين الشرطة والمتظاهرين على نحو قوض من الاستقرار السياسي للبلاد. وتركزت مطالب التحالف المعارض في استقالة سومتشاي الذي يعتبره التحالف ألعوبة في يد شيناواترا وحل مجلس النواب، وهو المطلب الذي يواجه بالرفض من قبل رئيس الوزراء الذي يؤكد على شرعية حكومته.
وعلى ذلك كان التطور الأبرز في الأزمة والذي صعد بها إلى مرتبة تتجاوز النطاق الداخلي وتمثل في استيلاء المناوئين للحكومة على مطاري العاصمة بانكوك ما أدى إلى عرقلة مغادرة نحو 240 ألف سائح أجنبي البلاد وتكبد البلاد نحو 40 مليون بات (1,1 مليون) دولار يوميا لاستضافة السائحين الذين تقطعت بهم السبل في تايلاند.
وسط هذه التطورات وإزاء تطلع أنظار الكثيرين إلى الجيش للتدخل خاصة أن الانقلابات العسكرية ليست غريبة على الواقع التايلاندي في ضوء حقيقة وقوع 18 انقلاب بالبلاد منذ الحرب العالمية الثانية فإن الجيش أحجم عن هذه الخطوة، الأمر الذي جرى تبريره على لسان رئيس الأركان الجنرال أنوبونج باوشيندا بأنه لن ينهي مشاكل البلاد. ويبدو أن القيادة العسكرية فضلت انتهاج سياسة رفع اليد وعدم التدخل في الاضطرابات إزاء رؤيتها عدم قدرة جنودها على مداواة الجراح السياسية لتايلاند.
وعلى ذلك كانت الوساطة من قبل الجيش بين الطرفين المتنازعين بالدعوة إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة وانسحاب المحتجين من مطار بانكوك المطالب التي رفضها الطرفان. ولتصل الأزمة مجددا إلى طريق مسدود لم يفلح في الخروج بها عن مسارها سوى حكم المحكمة بحل الحزب الحاكم.
ورغم ذلك يمكن القول أن الأزمة ما زالت تفتقد الحل الحاسم في ضوء التوقعات بتصويت البرلمان لرئيس وزراء جديد للبلاد ؟ حتى لحظة كتابة هذه السطور ؟ موالي لشيناواترا كذلك ويبرز في هذا الصدد القيادي في حزب سلطة الشعب المنحل تشاليرم يوبامرونج حيث لم يكن عضوا في الهيئة التنفيذية للحزب ما يعني أن قرار المحكمة الدستورية بحظر مزاولة السياسة لمدة خمس سنوات على رئيس الوزراء المقال سوتشاي و32 سياسيا آخرين لن يشمله.
وإزاء هذه التطورات التي يتراجع معها احتمال تدخل الجيش من خلال انقلاب عسكري أو فرض حكومة الطوارئ يبدو أن إجراء انتخابات مبكرة الحل الأمثل لخروج تايلاند من أزمتها السياسية.
دبي ـ البيان
