قبل الإقرار النهائي للاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الأميركية «يوم الخميس27نوفمبر الماضي»شهدت العاصمة السورية اجتماعا لدول الجوار العراقي. وفي الاجتماع عبرت بعض الدول المشاركة عن مخاوفها من محتويات الاتفاقية، خشية أن تستخدم من جانب الولايات المتحدة في العدوان عليها.
وجاءت أكثر المخاوف على لسان وزير الداخلية السوري الذي دعا المجتمعين إلى ضرورة التمسك بألا يكون العراق منطلقا لأية أعمال عدائية أميركية ضد أي دولة من دول الجوار تحت أي ظرف. وكانت سوريا قد تعرضت قبل نحو شهر من الاجتماع لضربة جوية أميركية على قرية السكري الواقعة في منطقة البو كمال الحدودية، أوقعت ثمانية قتلى.
كلمات الوزير السوري لخصت مجمل الأسباب التي من أجلها عارضت الدول المجاورة للعراق الاتفاقية الأمنية، لكن الانتقاد الأعنف جاء على لسان الرئيس السوري بشار الأسد، الذي وصف الاتفاقية بأنها ستجعل العراق قاعدة لمهاجمة دول الجوار، ودلل بذلك على ما حدث في منطقة البوكمال.
الموقف السوري يأتي في سياق الرفض التام الذي لقيته الاتفاقية من دول الجوار. اذ واجهت منذ طرحها في منتصف العام معارضة شديدة، مما ساهم في تعطيل تمريرها لمدة خمسة أشهر.
وكانت إيران هي من قام بهذا الدور آنذاك، وسط صمت مطبق من جانب تركيا و السعودية و الكويت والأردن، بل وحتى سوريا. فكل هذه الدول لم تهتم كثيرا بالاتفاقية في ذلك الوقت من قريب أو من بعيد. ولم يختلف الموقف العربي في عمومه عن ذلك.
وهذه المرة أيضا استغلت إيران الفرصة - إلى حد ما ، للنيل من الاحتلال الأميركي دون التركيز على رفض الاتفاقية برمتها، وذلك في إطار مصارعة واشنطن للسيطرة على الداخل العراقي. وقد وصف رئيس مجلس الأمن القومي سعيد جليلي مشكلة العراق- وقت مناقشة الاتفاقية - بأنها تنبع في الأصل من وجود الاحتلال الأميركي.
كما دعا وزير الخارجية منوشهر متكي إلى ضرورة أن تتضمن الاتفاقية إخراج العراق من الفصل السابع الذي فرض عليها بقرارات مجلس الأمن في أعقاب غزو الكويت. وعندما دخلت الاتفاقية قاعة البرلمان العراقي أيد رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني موقف النواب الداعين إلى ربط الموافقة بإجراء استفتاء شعبي عليها. ووصف ذلك بالخطوة الحكيمة.
وإذا ما قارنا الموقفين الإيراني والسوري هذه المرة مقارنة بما كانا عليه في المرة الأولى التي طرح فيها الاتفاق للمناقشة بين القوى العراقية، فإننا نتبين أن الموقف الإيراني كان هذه المرة أكثر هدوءا سواء على مستوى الحدة الإعلامية والسياسية أو على مستوى المسؤولين في السلم القيادي الإيراني، وذلك على خلاف الموقف السوري الذي اتسم بسخونة عالية.
ففي المرة الأولى لم تكن المخاوف السورية على هذا القدر من الرفض الصريح، رغم أن البنود التي طرحت في المشروع الأول كانت أكثر خطورة على أمن الجوار، اذ كانت تعطي للولايات المتحدة نفوذا مطلقا وسيطرة كاملة على العراق. والسبب آنذاك أن سوريا كانت تتعرض لضغوط أميركية وأوروبية وإسرائيلية هائلة تمثلت في قصف إسرائيل موقع دير الزور الذي قيل انه مفاعلا نوويا.
ولم يكن الموقف العربي الرسمي مساندا لها، بل كانت هناك مساع عربية لعزلها بإيعاز أميركي. وفي المقابل كانت دمشق تسعى إلى التهدئة، وبدا ذلك في إقدامها على المفاوضات السرية مع إسرائيل برعاية تركية، إلى جانب سعيها لتهدئة الأجواء في لبنان، ومحاولة الانفتاح على أوروبا، ومن ثم لم تشأ آنذاك أن تفتح بمعارضة الاتفاقية علنا جبهة جديدة تستفز بها الولايات المتحدة.
لكن في هذه المرة تعزز الموقف السوري إقليميا بعد التغيرات التي طرأت على لبنان، في أحداث مايو الماضي التي تمكنت فيها المعارضة اللبنانية الموالية لها من حسم الموقف على حساب الموالاة. كما تعزز أيضا بفعل التطورات الدولية التي نشأت من حرب القوقاز بين روسيا وجورجيا بتحريض أميركي.
فقد ساهمت الحرب في عودة روسيا كلاعب قوي إلى الساحة الدولية، كذلك كان للتقارب الأوروبي السوري دوره في تخفيف الضغوط عن دمشق. وفي الجانب الآخر اعترى مكانة الولايات المتحدة بعض الضعف بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية . كل هذه المتغيرات الإقليمية والدولية ساعدت على تعزيز مكانة سوريا. وقد تجلت في شدة رد فعلها ضد الولايات المتحدة اثر غارة البوكمال.
أما سر الهدوء الإيراني النسبي المعلن هذه المرة، فيكمن في التهدئة النسبية القائمة مع واشنطن منذ لقاء جنيف ـ في يوليو الماضي ـ بالنسبة للملف النووي في مقابل تمرير الاتفاقية الأمنية. ففي المرة الأولى حشدت إيران كل قواها الإعلامية والدبلوماسية والعسكرية تجاه التصعيد في الداخل العراقي ضد الاتفاقية.
وهذا ما تولاه آنذاك صراحة كل من المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس أحمدي نجاد اللذين أكدا بأن إيران لن تسمح للاتفاقية بأن تمر ببنودها التي طرحت بها تحت أي ظرف. وهو التشدد لم يتكرر هذه المرة، فقد اكتفى الإيرانيون بالتعامل مع الاتفاقية وفق نظرية البيع بالتجزئة حسب كل مرحلة تبلغها المناقشات، مع إبداء اهتمام من طرف اللسان، لذلك جاء الحديث عن الفصل السابع، وعن عرض الاتفاقية للاستفتاء الشعبي،أكثر مما جرى حول إمكانية استخدام العراق قاعدة للعدوان على بلادهم. وكان هذا البند هو مصدر التخوف الأساسي لدى طهران.
وهذا يكشف أن إيران حصلت هذه المرة على تطمينات كافية هدأت من مخاوفها ومن تحركاتها، بخلاف سوريا التي تعرضت للقصف الجوي انطلاقا من العراق. و المدهش أن القوى الشيعية المؤثرة في الداخل العراقي كانت في المرتين متناغمة إلى حد كبير مع موقف إيران، ففي المرة الأولى (يونيو2008) كان المرجع الديني آية الله السيد علي السيستاني هو من قاد المعارضة الدينية الواضحة والمؤثرة، وكذلك كان مقتدى الصدر، لكن التأثير الأعظم كان للأول.
وقد أعلن السيستاني آنذاك موقفا واضحا من رفض الاتفاقية من حيث إنها تسلب العراق سيادته على أرضه ومياهه وأجوائه، وتمس استقلال القضاء العراقي، بما تمنحه من حصانة القوات الأميركية والمتعاونين معها من المساءلة، في حالة ارتكاب جرائم ضد عراقيين. والأهم انها تتضمن نصوصا تمكن الاحتلال الأميركي من استخدام العراق منصة انطلاق للعدوان على دول الجوار وغيرها.
أما في هذه المرة فقد غلب الهدوء الذي يصل إلى حد الغموض على دور السيستاني، بينما ظل الصدر الأعلى صوتا والأشرس معارضة. فبدا الأمر وكأن هناك تناغما من جانب السيستاني مع الموقف الإيراني.
ووسط هذه الضغوط القادمة الى العراق، عبر حدود دول الجوار، وتلك التي تتمترس في الداخل، كانت الولايات المتحدة تمارس بدورها ضغوطا عنيفة على الحكومة العراقية بكل السبل من أجل تمرير الاتفاقية. أما الحكومة فكانت تتقوى بمواقف الجوار وبالمعارضة الداخلية، حيث حرصت على فتح قنوات اتصال دائمة مع دول الجوار، وأرسلت مبعوثين اليها للتطمين بأن بغداد لن توافق مطلقا على تحول الأراضي العراقية الى قاعدة للعدوان على أي دولة، مما مكنها من امتصاص الضغوط الأميركية، واحراج ادارة الرئيس جورج دبليو بوش باتباع سياسة كسب الوقت.
في البداية، وعندما تقدمت الولايات المتحدة بالاتفاقية مؤخرا ناقشتها الحكومة ورفضت إقرارها لأن بنودها لم تتغير عن المرة الأولى، من حيث المس بسيادة العراق فيما يتعلق بحصانة جنود الاحتلال والمتعاونين معه، ومن حيث استخدام أراضي العراق للاعتداء على دول الجوار. وطلبت الحكومة من الولايات المتحدة تعديل البنود المرفوضة، لكن الولايات المتحدة رفضت الطلب العراقي، وأعلن مسؤولوها أن هذه الصيغة هي الأفضل للطرفين لأنها جاءت بعد مناقشات مستفيضة.
وهددت الولايات المتحدة على لسان كل من روبرت جيتس وزير الدفاع الأميركي، والأدميرال مايكل مولن رئيس أركان القوات الأميركية أن عدم توقيع الاتفاقية سيجلب على العراق عواقب وخيمة. لكن هذه التهديدات لم تخف تضعضع الموقف الأميركي قانونيا على المستوى الدولي المتمثل في عدم وجود مفر لها من التعاون مع حكومة العراق، نظرا لعدم تأكد واشنطن من الحصول على تفويض جديد من مجلس الأمن في حالة العودة إليه.
وهذا ما اعترف به مسؤولوها صراحة. وقد شكل عامل الوقت عنصر ضغط على ادارة الرئيس بوش لاقتراب نهاية ولايته، ولاقتراب انتهاء التفويض الدولي بنهاية العام، وسط حرص منه على تحقيق انجاز بالعراق، فهو يريد الاتفاقية كي يؤثر في سياسة الرئيس المنتخب باراك أوباما.
وفي المحصلة تم توقيع الاتفاقية بين العراق والولايات المتحدة. وجاء أشبه بعملية ولادة قيصرية، حيث اضطرت ادارة الرئيس بوش الى الاستجابة لبعض المطالب العراقية مثل تخفيض درجة الحصانة التي تمنحها الاتفاقية لجنودها، وإلغائها تماما للمتعاونين معها مثل شركة «بلاك ووتر»التي ارتكبت العديد من الجرائم بحق العراقيين.
كما استجابت لمطلب عدم استخدام أراضي العراق في القيام بأي عمل عسكري ضد أي دولة، وكذلك عدم الطلب أو السعي الى إقامة قواعد عسكرية دائمة أو وجود عسكري دائم. والأهم من ذلك كله الاتفاق على الانسحاب من الأراضي العراقية بعد ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ سريان الاتفاقية في أول يناير 2009. وتماشيا مع ذلك اطلق الطرفان عليها اسم''اتفاقية انسحاب القوات الأميركية من العراق».
و بإقرار الاتفاقية على النحو الذي تمت به تكون أهداف كل الأطراف قد تحققت على نحو ما. فدول الجوار أمنت عدم استخدام أراضي العراق ضدها، فيما ضمنت الولايات المتحدة البقاء لثلاث سنوات أخرى في إطار رؤيتها الجديدة للانسحاب من العراق، حسبما أعلن الرئيس المنتخب، أما العراق فقد وضع أول أقدامه على طريق الاستقلال، لكن الأسئلة الأهم : هل ستفي الولايات المتحدة بتعهداتها؟ وهل يستطيع العراق الرسمي إجبارها على تنفيذ تعهداتها ؟ وماذا يفعل اذا لم تلتزم؟
أحمد الكناني

