لأب قاض وام ربة بيت اتى جمال دملج الى الحياة شقيقا لثلاثة صبيان وبنات تربى على يد والده كيف يكون حكما وناقلا للحق من دون المساس به ولو على حساب نفسه فكانت الحقيقة الرصاصة التي لم يحاول وقاية نفسه منها يوما رغم بدلته الواقية من الرصاص والتي تغط في سبات عميق في محفظته منذ حرب البلقان الى يومنا هذا.
بكى كثيرا من هول ماشاهد وحورب كثيرا لصدقية خبره وتقريره ولكنه بقي ممسكا على الكلمة والصورة ولو كان الثمن حياة غالية. عمل منذ العام 1977 مراسلا في صحيفة السفير اجاد في عمله تنقل الى اربعة ارجاء العالم بحثا عن الحقيقة، وفي كل مرة يصل فيها يرى الحقيقة مقتولة على يد جان استفاد من ماكينة اعلامية تحوله الى ضحية والضحية الى جلاد قتلوا الحقيقة في الشيشان وفي افغانستان وفي يوغسلافيا وفي العراق فهل يستطيع ضيفنا يوما الظفر بالقاتل. ماذا يحدث يا ترى لصحافي أمضى جميع سنوات طفولته منكباً على ممارسة طقوس الشقاوة.
حين يصبح له اسم مرموق في ميدان عمله ويكبر، ثم يُعرض عليه الانتقال من عاصمة تقليدية عريقة مثل لندن، الى معمعة حدود جغرافية نائية تفصل بين دولتين تقعان في وسط آسيا، بغية المشاركة في تغطية وقائع أكبر حملة عسكرية شرعت الولايات المتحدة الأميركية في شنها ضد ما يسمى بالإرهاب، في أعقاب ذلك اليوم الذي سيبقى محفوراً في الذاكرة لأجيال وأجيال، والواقع في الحادي عشر من (سبتمبر) عام 2001؟
هذا السؤال الذي لا يخلو بدوره من صبغة الشقاوة، طرحته كجواب على عرض تقدم به رئيس قسم التنسيق الإخباري في قناة أبوظبي الفضائية الدكتور أحمد الحاج، عندما اتصل بي هاتفياً بعد أربعة أيام من الهجمات التي تعرض لها كل من مقر البنتاغون في واشنطن، وبرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، ناقلاً لي رغبة إدارة القناة في إيفادي من مدينة الضباب الى احدى المناطق الحدودية المتاخمة لأفغانستان.
كنت على يقين بأن دخولي كصحافي في معمعة تلك الحملة العسكرية الضخمة، التي كان يفترض أن تؤدي الى الإطاحة بنظام حركة طالبان في أفغانستان، وبالتالي الى القضاء على مراكز تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن، كان لا بد من أن يتعارض مع الخطوط العريضة التي وضعتها الولايات المتحدة ، للطريقة التي كانت ترغب في أن تتم تغطية حيثيات «الانتصارات الأميركية» على أساسها، سيما وأنني كنت قد رفضت منذ بداية حياتي المهنية عام 1977، التحول الى «بوق إعلامي» يطبل ويزمر تحت مظلة «البروباغاندا الإعلامية الغربية». بعض المؤسسات الاعلامية العربية.
وكانت المرة الأخيرة التي دفعت فيها ثمن إصراري على عدم الانصياع لبوصلة الإعلام الغربي، قبل بداية «الحرب الأميركية على الارهاب»، لم تكن قد أصبحت بعيدة بعد، وذلك عندما طالبت احد المسؤولين الاميركيين بنقلي من العاصمة الروسية موسكو، التي كانت رياح تقاريري الإخبارية فيها تجري بما لا تشتهي سفن الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى في حينه الى اتخاذ قرار نقلي الى عاصمة باردة سياسياً وإعلامياً إسمها لندن، تحت تأثير «الوصاية الأميركية».
وقد وافقت دون تردد على التوجه فوراً الى الحدود الأوزبكيةـ الأفغانية، نظراً لأن ذلك سيمنحني فرصة جديدة أثبت من خلالها أنني ما زلت قادراً على السباحة ضد تيار الدعاية الإعلامية الغربية، تماماً مثلما فعلت في موسكو، وكذلك مثلما فعلت قبل عامين من ذلك التاريخ، عندما كنت أقوم بتغطية وقائع الحملة العسكرية الأميركية ـ الأطلسية على يوغسلافيا، لحساب قناة الجزيرة الفضائية.. كنت أحمل في ذاكرتي حتى ذلك اليوم، تاريخاً حافلاً لثلاثة حروب كبرى اشتركت في تغطية وقائعها، علاوة على أحداث جرت في العديد من المناطق الساخنة في العالم، حيث درجات التوتر كانت ترتفع لتصل الى ما هو أدنى بقليل من قرع طبول الحرب.
وربما كانت أسباب الخصوصية في علاقتي مع الأزمة اليوغسلافية، تعود الى كون مفكرتي الخاصة، بقيت مليئة بمواقف غريبة عجيبة، كانت تروج حول «نزاهة» غارات المقاتلات الأميركية والأطلسية ضد الأهداف اليوغسلافية، والتي كانت تنقل على لسان كل من الناطق الرسمي باسم حلف الناتو في بروكسل جيمي شيا، والناطق الرسمي باسم البنتاغون كينيث بيكون، علاوة عما كان يروج على ألسنة «الرجال الكبار» من أمثال الرئيس الأميركي بيل كلينتون، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والأمين العام لحلف شمالي الأطلسي خافيير سولانا، وهي مواقف لم تكن تمت الى الحقيقة بأي صلة.
ومن هذه المنطلقات، فإنني لن أنسى يوغسلافيا ما حييت، تماماً مثلما لن أنسى لبنان.. بعد خمسة أيام فقط من دخول قوات «الكي. فور» الى كوسوفو، ولا دوي القذائف التي أحرقت الأخضر واليابس أثناء دخولي الى قلب العاصمة الشيشانية غروزني على متن دبابة روسية، ولا الكدمة التي تلقيتها على جبيني من مسدس ضابط في الإستخبارات الأوزبكية في ولاية ترمز قرب أفغانستان بعد اعتقالي بتهمة التسلل الى «منطقة محرمة» تقع عند «جسر الصداقة» على الحدود الأوزبكية - الأفغانية،
ولا رشقات الرصاص التي أدت الى إصابة أحد المرافقين الذين كلفوا بحمايتنا بجروح بالغة عند «الخط الأخضر» في العاصمة الصومالية مقديشو، ولا نبرات التهديد التي حذرتني من مغبة بث صور اجتماع السفير الأميركي دونالد ياماموتو مع الرئيس الصومالي عبدالقاسم صلاد حسن في قصر الضيافة في جيبوتي، ولا الدم الذي سال من جسدي إثر الإعتداء الذي تعرضت له مع مصوري حيدر فاضل الجراح في إقليم «بونت لاند» الصومالي.
وإذا كنت لم أفكر بالموت في أي من تلك المناطق التي كان شبح الموت يحدق بكل من هب ودب على أرضها، فإن مرد ذلك، وإن كان يعود في الأصل الى أن الواجبات المهنية تفرض على الصحافي متابعة الحدث سواء داخل قاعات الاجتماعات أم في المناطق الساخنة، إلا أن السبب الأساسي بالنسبة لي يحمل بعداً سياسياً، ويتمثل في أنني قطعت العهد على نفسي لكي أبذل قصارى الجهد، من أجل كشف كل ما يمكن أن يتيسر أمامي من زيف الشعارات التي ترفعها الولايات المتحدة، إنطلاقاً من اعتقادي الراسخ بأن السياسة الأميركية، تشكل خطراً حقيقياً، ليس على حاضر الشعوب ومستقبلها وحسب، بل على الحضارة الانسانية جمعاء.
ويبقى اخيرا العمل التلفزيوني هو عين الحقيقة واذا عدنا الى البدايات وكيف كانت تصور الحروب رغم بدائية الامكانات المتوفرة انذاك الا انها كانت تسهم في نقل وتصوير الاحداث فصورة محمد الدرة باقية بالوجدان الموت والدمار باق بالعراق رغم نقل الصورة التي كانت العين التي كلفت صاحبها الكثير
عبدالمنعم الشديدي



