نطل اليوم من نافذة مبدع يرى الأشياء بعين المتذوق للفنون فيرى الطبيعة لوحات تشكيلية تعزف ألحانها الشجية، فهو صاحب قلم له تجربته في كتابة الدراما إلى جانب عمله كفني إضاءة من الطراز الأول، وعلي الباروت ممثل أيضاً شارك في العديد من الأعمال المسرحية مثل مسرحية «عودة الرحلة الطويلة ـ الجزء الأول» و«للأرض سؤال» و«رأس المملوك جابر» ومسرحية للأطفال بعنوان «البطل حسان والحلوة حنان».
وكتب أيضا قصة وسيناريو وحوار فيلم روائي قصير بعنوان «الكشتة»، وبحكم هوايته في التمثيل المسرحي سافر إلى كثير من الدول العربية والأوروبية للمشاركة في المهرجانات المسرحية، وخرج بانطباعات عن الدول والمدن التي زارها، لكننا سنتوقف مليا عند دولة يسافر إليها باستمرار وبغرض السياحة والاستجمام فقط وهي تايلاند. في البداية يؤكد علي الباروت أهمية أن يتعرف الإنسان على ثقافات الشعوب وعلى العادات والتقاليد التي تحكمها، ومن يهتم بهذا الأمر عليه أولا أن يكتشف كنوز بلده تراثيا وثقافيا وسياحيا، يقول: لم أترك مكانا سياحيا في الإمارات إلا وذهبت إليه، ولمن لا يعرف نحن لدينا مناطق سياحية لها خصوصيتها ويصعب أن تجدها في دول أخرى، فالإمارات تتمتع ببيئة صحراوية تمارس فيها ألعاب رياضية كثيرة.
ولدينا أيضا المناطق الجبلية والبيئة البحرية، ومن يتمعن في كم الأفواج السياحية التي تزور الإمارات سيعرف أن في بلدنا الكثير مما لا نشعر به كوننا نعيشه كل يوم، غير أنني ما زلت استمتع بالتخييم مع الأصدقاء في المناطق البرية خصوصا في الإمارات الشمالية، ويعجبني منظر الوديان حين تمتلئ بالماء وقد اكتست السفوح بالخضرة.أما سفراتي الخارجية فقد بدأت بتايلاند في عام 1990، وكم أحببت هذا البلد الجميل، لقد خرجت من زيارتي الأولى بانطباعات كان لها أثرها الكبير في الذهاب مرارا إلى تايلاند إلى أن تعدت زياراتي الخمسين مرة، وفي كل مرة أكتشف فيها أشياء لم أرها في المرات السابقة، ومع أن تايلاند تعتبر من البلدان النامية إلا أنها تزداد نموا عاما بعد عام، ويعرفون هناك كيف يستثمرون طبيعة بلدهم الخلابة وشواطئه الممتدة والجميلة في الشق السياحي.
إضافة إلى تراثهم العريق ومعابدهم الأثرية، وتايلاند تعتمد كليا على السياحة ولذلك ينصب اهتمامهم على تقديم أفضل الخدمات للسائح سواء من ناحية النظام أو نظافة الشوارع أو من الناحية الأمنية، وبمناسبة الأمن يجب الإشارة إلى أن تايلاند مزدحمة بالزائرين على مدار العام، وذلك لطبيعتها وطقسها الذي يتناسب مع السائحين على اختلاف جنسياتهم، وهم يهتمون بالشق الأمني وعندهم شرطة السياحة.
وهي التي تراها باستمرار في الشوارع والمناطق السياحية والمزارات، وهم مميزون بزيهم الخاص ومدربون جيدا على التعامل مع ضيوفهم بلباقة واحترام، وكيف يقدمون العون لمن يحتاجه، ولا أذكر أن رأيت شرطيا من غير أفراد شرطة السياحة وهذا في حد ذاته يمثل عنصرا مهما في راحة السائح وطمأنينته.
أما المدهش في تايلاند فهو شعبها الراقي الذي يعرف كيف يحتفي بضيوفه، لمست ذلك في سائقي التاكسيات وفي المطاعم والمحلات التجارية، فهم يعرفون أنك سائح عندهم لكنهم لا يفكرون إطلاقا في استغلالك، وسلوكهم هذا ليس خوفا من شرطة السياحة وإنما للمحافظة على مصدر رزقهم، فهم يحرصون على أن يخرج زائرهم بانطباعات جيدة وبالتالي يتركون سمعة طيبة تأخذ طريقها إلى الخارج فتزداد الأفواج السياحية.
وقد نجحوا في ذلك بدليل أنني واحد من الذين أعجبوا بتايلاند وبشعبها وبطبيعتها فزرتها أكثر من خمسين مرة، ولو فكرت الآن بالسفر سأذهب إلى هناك، صحيح أنني زرت بلداناً أخرى وأعجبتني إلى حد ما، لكن تظل تايلاند ذات معزة خاصة في قلبي.
ويستطرد الباروت حديثه عن تايلاند ويوضح مدى حب الخليجيين لها بقوله: لست الوحيد الذي أحب هذا البلد وأدمن الذهاب إليه، بل هناك من وقع في أسره تماما وظل هناك رغم نفاد نقوده لدرجة أن البعض هناك يتسول من أجل دفع أجرة المبيت، صحيح أن الحديث في هذا الجانب مؤلم ومؤسف للغاية، لكنها الحقيقة التي رصدتها عن قرب.
ففي مدينة بتايا يوجد حي كامل يسكنه العرب ويطلق عليه «فريج العرب»، وهذا المكان مكتظ بالسائحين العرب والخليجيين على وجه الخصوص، وفيه المطاعم التي تقدم الوجبات الخليجية وبعضها يملكها أشخاص من الخليج، وإذا استثنينا العمال التايلانديين وبعض الأسر نستطيع القول إن 85 % من قاطني هذا الحي من العرب.
وكما قلت سابقا يقع الكثيرون في غرام هذه المدينة ويظلون فيها رغم نفاد نقودهم، فتحدث الكثير من المشاكل وعمليات النصب وهناك أيضا من يدخل السجن من جراء هذه المشاكل وغيرها، والأمر الثاني هناك من يسيء لنفسه أولا وللعرب ثانيا بإدمانه المراقص والخروج منها بصورة غير لائقة بالمرة.
وينتقل بنا الباروت إلى رحلة سياحية أخرى لكن هذه المرة إلى مصر، فيقول: زرت مصر ثلاث مرات إحداها للسياحة وللعمل مرتين، في الرحلة الأولى نزلنا عند صديق لنا يدرس في القاهرة ولديه سيارته التي أخذها معه من الإمارات، ولذلك كانت تنقلاتنا معه سهلة ولم نتعرض لمضايقات سواء من سائقي التاكسي أو من أصحاب المطاعم والمتاجر، زرت الأهرامات أكثر من مرة من فرط إعجابي بها، وزرت أيضا المتاحف وبرج الجزيرة.
وبالطبع تابعت المسرحيات المعروضة بحكم أنني أنتمي للمسرح، وحضرت أيضا عروضا سينمائية وكان لها مذاقها الخاص وأنت تتابعها مع الجمهور المصري المعروف بتعليقاته الظريفة، أما حي الحسين فهو حكاية متفردة في مضمونها وشكلها، ففي الرحلتين التاليتين لم نتناول الطعام إلا في مطاعم الحسين المشهورة بوجباتها الشعبية الشهية.
كما أن المكان يضم أطيافا مختلفة من الشعب المصري فترى اللوحة مكتملة، وإذا كان البعض يشكو من الاستغلال فهذا الأمر ليس موجودا عند كل المصريين، ويجب أن نضع الأمور في نصابها ولا نهول منها.
وحول انطباعاته عن زيارته لأسبانيا يقول علي الباروت: ذهبت إلى أسبانيا للمشاركة في مهرجان «طرطوشة» المسرحي بعرض إماراتي، لكنني انتهزت الفرصة وذهبت إلى مدينة برشلونة الجميلة، وهناك وجدت طقوسا اعتاد عليها كل الأسبانيين والسائحين وتتمثل في التجمع بميدان برشلونة بالآلاف يوم الأحد، ويبدأ الاستعداد للتجمع من يوم السبت لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في المكان.
وأسبانيا بلد مشهور بطبيعته الخلابة ويضم آثارا إسلامية لها قيمتها الحضارية، لكن استوقفتني أشجار البرتقال التي تكثر زراعتها خصوصا في الشوارع تماما كما نزرع نحن النخيل، وصادف تواجدنا هناك موسم جني البرتقال فكنا نمشي في الشوارع ونواصل القطف والأكل، لكنني اكتشفت أن لون البرتقال الأصفر ليس دليلا على اكتمال نضجه، فبعض الثمار كانت خادعة ولونها ليس على قدر طعمها.
تبقى فرنسا ذلك البلد الراقي الذي زرته وكنت أيضا ضيفا ضمن عرض مسرحي قدمناه في مهرجان «افنيون»، صحيح أنني لم أزر باريس لكنني خرجت بانطباع جيد عن الشعب الفرنسي الودود والمتعاون، لكن تبقى عندهم مشكلة اللغة وهم غير مستعدين للتحدث معك بغير الفرنسية، ومن المفارقات التي صادفتني هناك أنني كنت أتنقل بسيارة «فان» وهي كبيرة بالنسبة للسيارات التي نستعملها هنا.
وتحتاج إلى خبرة لتقودها في شوارع ضيقة تشبه «السكيك» عندنا، وقد كنت الوحيد الذي برع في قيادتها، وحدث أن ضللت الطريق ووجدت نفسي بالقرب من معسكر للجيش وأمامي لوحة كتب عليها ممنوع الاقتراب أو التصوير، وكانت أوروبا كلها في حالة استنفار بسبب الإرهاب وخشيت أن أدخل في مشكلة باعتباري عربيا يتواجد في المكان، أما البلدان العربية الأخرى التي زرتها فمن بينها لبنان وعمان والبحرين ولم أشعر بفارق كبير بين الإمارات وأي دولة خليجية أخرى، فنحن شركاء في أمور كثيرة وتجمعنا عادات وتقاليد واحدة.
عز الدين الأسواني


