على الرغم من كون «الفضيلة» واحدة من القيم الأخلاقية المتعارف عليها إلا أن معايير قربها أو بعدها من السلوك الشخصي اليومي ليست ثابتة، ومع تذبذب العلاقة بينها وبين المصلحة الشخصية يصبح من الصعب إطلاق الأحكام النهائية والمطلقة.
يقول شريف مصطفى عبد العال ان الفضيلة كقيمة أخلاقية عالية تحولت مع التحولات المادية التي شابت الأزمنة الأخيرة إلى مجرد هامش نتحرك فيه بصفته مرجعا لسلوكنا ولم تعد غاية في حد ذاتها كما كانت أيام والدينا واجدادنا.. الآن نحن للأسف لا نسعى إلا لمصلحتنا المباشرة ونجيد التماس الأعذار إذا لم تتفق هذه المصالح مع قيمة الفضيلة.والأهم من كل ذلك ـ كما يقول شريف ـ أن مفهوم الكلمة لم يعد واضحا بشكل كاف لدينا نحن جيل الشباب، ولم تهتم المراحل الدراسية المختلفة التي مررنا بها بوضع توضيح يساعدنا على فهم القيم بشكل عام، والفضائل بشكل خاص، لا في مرحلة المدرسة ولا في المرحلة الجامعية.
وبالنسبة لي تعني الفضيلة الابتعاد عن الأفعال التي حرمها الدين، كما تعني أيضا مساعدة الفقراء والمحتاجين، أما إذا حدث تعارض ما بين الفضيلة والمصلحة الشخصية فأنا أراجع حساباتي مرات عديدة قبل اتخاذ القرار وأفضل تحقيق المصلحة الشخصية دون المساس بمنظومة القيم، أو أقوم بتجزئة المصلحة الشخصية إلى جزأين وأحقق منهما الجزء الذي يتفق مع الفضيلة.
ويضع شريف على عاتق أجهزة المجتمع المختلفة وأهمها المؤسسات التعليمية والإعلامية مسؤولية الارتقاء بمفاهيم الشباب والنهوض بالمثل الأخلاقية المقبولة، والتوقف عن تصوير بعض السلوكيات المرفوضة على أنها فضائل، كما نرى في بعض الأفلام السينمائية مثلا عندما يسرق البطل لعلاج ابنه أو زوجته، هنا يجسد لنا الفيلم السرقة على أنها تصرف محمود، بينما تحث الفضيلة على عكس ذلك.. المشكلة أن مثل هذه النماذج التي تقدمها لنا وسائل الإعلام والأفلام السينمائية تؤدي للخلط بين المفاهيم وتشجيع الشباب على قبول الحل الأسهل دون البحث في قضية موقعه من المثل العليا.
يحذر شريف من مغبة إهمال توعية الأجيال الجديدة بالمثل الأخلاقية العليا وطرق التمسك بها، وتنويرهم بالفارق مابين المصلحة الشخصية ومصلحة المجتمع وكيفية التصرف في حالة تعارضهما، ويرى أن قيام المؤسسات التربوية بهذا الدور يحمي المجتمع من السلوكيات الخاطئة لبعض الشباب ممن يتجاهلون القيم العليا لمجرد جهلهم أو استخفافهم بها.
وترفض لمياء الرطيل الاستسلام لنظرية المقارنة بين الفضيلة كقيمة من القيم العليا والمصلحة الشخصية، مؤكدة أن العلاقة بينهما سوف تظل إلى الأبد علاقة عكسية لأن الإنسان عادة لا ينظر إلى مصالحه نظرة موضوعية ولا يتحرى ـ في أغلب الأحيان ـ الدقة في مراجعة الأمور التي تخدم مصالحه من حيث تطابقها أو ابتعادها عن المثل العليا، وأقرب مثال على ذلك عندما نحصل على مكافأة أو تقدير ما من الرؤساء، البعض منا يصارح نفسه بأنه لا يستحقه، ولكنه لا يجرؤ على البوح بذلك للغير..
ويفضل الحصول على الميزة أو المكافأة على المواجهة والمصارحة وتطبيق قيمة الفضيلة، والعكس أيضا صحيح ويحدث في كثير من الأحيان، فعندما لا يحصل البعض منا على مكافأة أو تقدير في حال حصول الغير عليه يسارع إلى الشكوى والتذمر ويعتبر نفسه مظلوما ويطالب بتطبيق العدالة.. مع أن الفضيلة تقتضي عكس ذلك تماما، فلا يجوز مساواة هذا الشخص بمن تعب وبذل مجهودا أكثر في العمل وضحى بوقته في سبيل النهوض بمستوى الأداء.
وتنفي لمياء وجود قواعد ثابتة يمكننا بموجبها قياس مدى تطابق أو تضاد تصرفاتنا مع الفضيلة، فكل منا يرى المثالية من منظور مختلف.. فإذا قمت أنا على سبيل المثال بإبلاغ رئيس العمل عن خطأ وقع فيه أحد الزملاء فقد يكون ذلك من وجهة نظري قمة المثالية لأنني أحافظ بذلك على سمعة الشركة التي أعمل بها، بينما قد يرى ذلك الزميل ـ من وجهة نظره ـ أنه تصرف في منتهى السوء، حيث يتعارض مع مصلحته المباشرة في الترقي مثلا.. وهكذا.
محمد طه يرى أن هناك «فضيلة» تقع في دائرة القيم النسبية أي تختلف من شخص إلى آخر، ويضيف أن هناك بعض الممارسات قد يراها أحد الشباب من زاوية الفضيلة بينما يراها البعض الآخر أنها ليست كذلك، ويضرب مثلا بشابين أحدهما يرى أن رعاية الحيوانات الأليفة تندرج تحت مسمى فضيلة الرحمة أو الرفق بالحيوان بينما يرى شاب آخر أن هذا النوع من السلوك مضيعة للوقت والجهد والمال، وهناك «فضيلة» تقع ضمن المفاهيم المطلقة التي لا تتغير من شخص لآخر وهي تمثل الحد الأدنى من الأخلاقيات التي لا يختلف عليها اثنان.
وهذا النوع لا علاقة له بالمصلحة الشخصية لأنه ثابت لا يتغير ومثال ذلك فضيلة الصدق.. فإذا سئلت في مسألة ما إما أن تكون إجابتي مطابقة للواقع فأكون بذلك صادقا، أو العكس فأكون كاذبا.. هنا المعيار ثابت ولا مجال لتغيره، الذي يتغير هو مقدار قربنا مع هذا الصدق فهنا يمكن أن نكون ممن يتحلى بقيمة الفضيلة أو إذا ابتعدنا عن الصدق نكون ابتعدنا عن الفضيلة.
ويتوقف محمد أمام بعض النماذج من أبناء جيله ممن لا يهتمون بهذه القيمة الأخلاقية ولا يجيدون حساب المسافة التي تفصلهم عنها، ويحذر من خطورة ذلك عليهم بصفة خاصة وعلى المجتمع الذي يعيشون فيه بشكل عام.
ويؤكد محمد رفضه لتجزئة الفضيلة مؤكدا أن قواعد المنطق والأخلاق تقضي بألا يصح إلا الصحيح والقيم الأخلاقية تعامل معاملة الكل لا الجزء ونحن أصبحنا نواجه مشكلة حقيقية في قيام كل فرد من أفراد المجتمع باختيار ما يناسب مصلحته الشخصية من منظومة القيم ويتجاهل الباقي، ومن المؤكد أن ذلك السلوك يتعارض مع مصلحة باقي أفراد المجتمع.
أيمن حجازي

