مانقدمه للقارئ ليس قصة من وحي الخيال بل رؤية تحققت لعائلة اكتسبت لقبها من العمل الثقافي والمؤسسي ابتداء من الرعيل الاول الجد علي بن راشد الكيتوب والذي لقب بالكيتوب لعمله سكرتيرا في ديوان حاكم عجمان ومن ثم ديوان حاكم أم القيوين.
هذا الجد المتعلم ورث العلم لابنه وهو من الجيل الاول احمد الذي كان بدوره قارئا وشاعرا وخطيبا مفوها في العام 1968 طرح عليه صديقه وهو لبناني المنشأ عمل مكتبة تكون نواة لحركة علمية في البلد خاصة وان الامارات لم يرتسم اتحادها بعد فكان لهما ماخططا له فانشأ مكتبة دار الحياة في بناية الكاز (البريد القديم) واصبح العمل بها يلبي حاجة الناس في ذلك الوقت لتنتقل بعد 3سنوات الى ميدان عبد الناصر تلاه في العام 1974 انتقالها الى شارع نايف واصبح اسمها منذ ذلك الوقت مكتبة دبي للتوزيع واصبحت التوسعة في اكثر من مرحلة في المكان نفسه وكانت جل العناوين التي تهم القارئ في ذلك الوقت هي الكتب الادبية ودواويين الشعر وكتب تعلم اللغات.
وكانت العناوين قليلة والطلب كثيرا لأن المتاح منها قليل اما اليوم فالمكتبة بها آلاف العناوين وفي تلك الفترة كان هناك صحوة دينية نتيجة دخول البعثات التعليمية والاحتكاك بالآخرين فيكثر الطلب على الكتب الدينية وكانت هذه الكتب تأتي عن طريق البر ، وتتعرض في كثير من الاحيان للتلف اما عوامل الطقس او سوء الشحن او التفتيش.
كانت الكتب تخضع للرقابة ايضا وكان وقتها وزير الاعلام احمد بن حامد وفي دبي كان قسم الرقابة له الفضل في مساعدتنا وعدم وضع العراقيل اوالتحجج بالروتين بالنسبة للكتب فكلها كما اسلفت كتب ادبية والفضل يعود في ذلك الوقت للأخ حبيب الرضا وكيل الوزارة حيث يدعمنا شخصيا ومكتبه مفتوح دائما للاستماع للملاحظات او تسيير الامور.
اما بالنسبة لتخزين الكتب فهذه قصة وحدها فكنا نفتقر للأساليب الحديثة وانت تعلم ان العوامل المناخية تؤثر في طبيعة الكتاب ومع هذا كنا نستفيد من بعض الخبرات من هنا وهناك الى ان وصلنا الى ما نحن عليه الآن. لا انكر ان الفكرة كمكتبة كانت هواية في بادئ الامر وليست تجارة، فالمردود لا يغطي التكاليف، ولكن العمل المكتبي والثقافي جيد..
رغم انها تجارة لكن اثرها الفكري والمعنوي اكبر ماديا ويعود الفضل بذلك للواقفين وراء العمل، فوالدي ابن هذا البلد وحريص عليه وبالتالي فكره مصوب ناحية هدفه وهو الاعلاء من شأن القراءة والتعلم وايقن الوالد ان عملنا يحتاج عمر نوح وصبر ايوب ومال قارون وهذه هي المستحيلات الثلاثة، لذلك تراه راهن على الزمن وعلى قراءته لتطور الامارات.
فبعد الاتحاد اصبح الانتشار للمكتبة سريعا ويغطي التجمعات السكنية للمواطنين وتطورت من العمل المكتبي الى تلبية حاجة الناس من الروضة الى الجامعة، وتم التركيز على كتاب الطفل لأن التوجه العام في تلك الفترة على الطفل.
في بداية التسعينات كان تطور المكتبة نوعيا يوازي التطور السكاني في امارة دبي فأصبحت لنا فروع في كل من الحمرية، القصيص، الطوار، وكما اسلفت تتبعنا التطور السكاني وزبوننا في هذه المرحلة الطالب المدرسي ثم توسعنا في مناطق الراشدية، السطوة، الشيخ زايد، فلنا في دبي سبعة فروع، ثم وصلنا الى باقي امارات الدولة كالشارقة ورأس الخيمة وأم القيوين والفجيرة وعجمان والعين وابوظبي.
ونفكر حاليا في الانتشار خارج الدولة كسلطنة عمان، ونتيجة خبرتنا ايقنا ان ما كان يقرأ في السبعينات اصبح مختلفا بعد عشرين عاما واصبح الاتجاه السائد الكتاب الاداري وكتب الكمبيوتر والكتاب العلمي فركزنا في هذا الاتجاه، لأن الجيل الحاضر يقرأ الكتب المساعدة في الدراسة من خلال منهاجه أو تخصصه، أما الثقافة العامة فأعتقد انها كانت في الماضي نتيجة الوقت والفراغ وبالنسبة للطلبة اعتقد جازما ان تنمية عادة القراءة تأتي بالدور الاول على الاسرة ثم المدرسة لكي يكتسب هذه العادة ويصبح قارئا.
وبعد العمل المضني اصبحت لنا خبرتنا في العمل المكتبي لأننا سرنا في مجموعة خطوط متوازية.. الاول التركيز على احتياجات المدارس والثاني الكتاب بكافة انواعه والخط الثالث احتياجات المكتبات، اي اننا نسد حاجات المكتبات داخل وخارج الدولة، ويوجد في مكتبة دبي للتوزيع قسم خاص يتابع ويستقبل كل جديد من عناوين.
هناك شركات اوروبية وصينية وماليزية نتعاون معها ونستفيد من خبراتها في مجال التخزين والتسويق، ويكفيني فخرا انني المواطن الوحيد او اسرة الكيتوب الوحيدة التي قامت بهذا العمل وما زالت تديره.. لا يوجد مواطنون بهذه المهنة، الا اذا كانوا وكلاء اعمال او كفلاء وهذا ليس تقليلا من احد ولكن ما افتخر انا به وانا بصدد اعداد الجيل الثالث من الاسرة اي الابناء لإدارة هذا الصرح الادبي والثقافي، ودعني اقول لك والتجاري.
وينقلنا علي بن احمد الكيتوب الى رحلته مع العلم والمكتبة فيقول انا من الجيل الثاني في اسرة الكيتوب، خريج جامعة العين العام 1981 علوم سياسية واقتصاد الدفعة الاولى وعند التخرج عملت مدة شهرين في وزارة التربية وكنت دائما الاول سواء في الدراسة او العمل وكانت طموحاتي لا تتسع مخيلتي حيث اود العمل في المجال السياسي او الاقتصادي.
ولكن وفاة الوالد في الشهر الذي تخرجت فيه من الجامعة غير خط سيري فاتجهت للعمل في المكتبة لأحقق حلم والدي واحقق رؤياه بأن تكون مكتبة دبي هي الاولى، فحددت اهدافي من البداية وكيف سيكون نشاط المكتبة وتوسعها خاصة انه في فترة سابقة اغلقت مجموعة من المكتبات ابوابها واذكر منها على سبيل المثال النهضة العربية في السبخة ومكتبة المنار وهذا على ما اعتقد العام 2000 وفي الكويت اغلقت مكتبة العبيان لولا تدخل الاسرة الحاكمة وتحويل المكتبة الى عامة حفاظا على ما تحويه من روائع الكتب.
واننا نستبشر بإمارة دبي خيرا لأنها رائدة العمل الثقافي واتمنى ان تعمم فكرة المكتبات العامة على الاحياء الشعبية لتغطية كافة الاماكن ويجد الطفل والشاب مايحتاجه من كتب تزيدهم ثقافة ومعرفة واذا لم توفر الامكانيات لمكتبات مستقلة تكون ببناء يتبع المساجد وتسمى كل مكتبة باسم صاحب العمل الخيري واذا مالقيت الفكرة استحسانا سأكون اول المبادرين.
اعتبر ادارة العمل المكتبي من اصعب المهام لأنك تقف على الحاجات الروحانية وتخاطب كل العقول، وليس بالضرورة ان يكون صاحب المكتبة اديبا او شاعرا فمكتبة مدبولي في مصر لا يوجد انسان سواء كان مفكرا او اديبا او كاتبا سياسيا إلا وزارها فهي مَعلم.
ويكفيني فخرا ان مكتبة دبي سارت على الخط الذي رسمه لها المؤسسون من جدي الى والدي وانا بدوري اورثه لأبنائي وما شهادات التقدير التي منحت للمكتبة إلا دليل على صحة اقوالي ويكفيني فخرا تكريم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فهذا التكريم وسام على صدري من رجل يعنيه الشأن الثقافي، فما كان لذلك ان يتحقق لولا المثابرة والجلد وحب الاستمرارية.
عبد المنعم الشديدي



