في مثل هذا اليوم منذ ثلاثين عاما، وقع الاتحاد السوفيتي وأفغانستان معاهدة صداقة وتعاون تمتد لفترة 20 عاما. وقتها كان الطرف الأفغاني يسير على هوى موسكو، ا.ذ كان نظام كابول يحمل هوية ماركسية. ولم يمض سوى عام على توقيع المعاهدة حتى اجتاح الجيش السوفيتي الأراضي الأفغانية ليفرض نظاما بديلا أكثر ارتباطا وولاء له مستغلا في ذلك المعاهدة ليبرر بها غزوه.
ولكن الكرملين دفع ثمنا غاليا. سقط في مستنقع ظل غارقا فيه على مدى عقد من الزمن . الاهتمام الروسي بأفغانستان، يرتبط بالعامل الجغرافي وبالموقع المتميز للأراضي الأفغانية، فهي مفترق الطرق في وسط آسيا،ولذلك ظلت مطمعا للقوى العظمى منذ أن غزاها الأسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد.
كان أمرا طبيعيا أن تتجه أنظار الكرملين إلى أفغانستان الملاصقة لحدود الاتحاد السوفيتي. ومعاهدة 78، لم تكن بداية هذا الاهتمام. فقد أبرمت معاهدات عديدة منذ عهد الزعيم السوفيتي لينين. معاهدة الصداقة الأولى أبرمت عام1921، وهي أول معاهدة بعد إعلان استقلال أفغانستان عام 1919، وأبرمت في عهد الملك أمان الله الذي دعم علاقاته بموسكو وضاعف التبادل التجاري بين البلدين تسع مرات.
كما وقعت معاهدة حياد وعدم اعتداء بينهما عام 1926. وبعد عشرين عاما تجددت معاهدة الصداقة ، في وقت بدأ فيه الأميركيون يولون اهتمامهم بأفغانستان ويرسلون اليها أول مساعدات اقتصادية (عام 1946).
تعددت المعاهدات وتجددت في سنوات لاحقة، ومعها تعددت أيضا زيارات الزعماء السوفييت لكابول. فقد زارها عام 1955 الزعيمان خروشوف وبولجانين في بداية حكمهما. وكرر الأول الزيارة عام 1960. ولاننسى المساعدات العسكرية السوفيتية لأفغانستان عام 1956والتي تمت بعد رفض الولايات المتحدة بيع أسلحة حديثة لأفغانستان.
العلاقات السوفيتية الافغانية، تعززت أكثر بعد سقوط النظام الملكي في ابريل عام 1973، عندما قاد محمد داوود الانقلاب على ابن عمه الملك ظاهر شاه. وكان داوود ذا ميول يسارية، ودعم حكمه بعناصر من اليسار وبالتحديد من حزب الشعب الشيوعي الذي كان قد أسسه في منتصف الستينات نور محمد تراقي، وبدا داوود في بادئ الأمر كأنه حليف لموسكو.
قبل ذلك الانقلاب، كان الملك قد عزل داوود الذي ظل رئيسا للحكومة لعشر سنوات(53- 1963) فقد استشعر ظاهر شاه- الذي حكم البلاد وكان عمره 19 عاما لمدة أربعين عاما ابتداء من عام 1933- بالخطر على عرشه من سياسات داوود اليسارية.
كانت أفغانستان في عهد ظاهر شاه تعيش بالفعل عهدا من الأمن والاستقرار لاعتماده سياسة المصالحة في الداخل وتوسيع علاقاته الدولية في الخارج ليتجنب عزلة البلاد عن المجتمع الدولي، وعندما اختار ابن عمه محمد داوود لرئاسة الحكومة أيقن بأن اتجاهات داوود لا ترضيه.
فقد كان يتقرب للاتحاد السوفيتي وهذا ما لم يرض الملك، فعزله وعين محمد يوسف المعروف بميوله للغرب. وابتعدت البلاد عن النزعة الاشتراكية التي تبناها داوود . ورغم حرص داوود بعد أن صار أول رئيس جمهورية للبلاد - على التقرب مع الدول الإسلامية الرئيسية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وإيران وباكستان، الا أنه لم يتراجع عن توطيد العلاقات مع موسكو.
زاره الرئيس السوفيتي بودغورني عام 1975، وتم تمديد معاهدة الحياد وعدم الاعتداء بين البلدين لعشر سنوات إضافية. وزاد حجم التبادل التجاري من خلال اتفاقية طويلة المدى. ثم جاء ربيع 78 الذي شهد عهدا دمويا مثيرا كان للسوفييت بصماتهم فيه. ففي ابريل من ذلك العام أطاح الشيوعيون بحكم داوود الذي ساندوه عندما أسقط الملكية وأقام الجمهورية عام 1973.
اغتالوه هو وعائلته ومعظم مساعديه في مذبحة جماعية بشعة . وحكم البلاد أول شيوعي هو نور محمد تراقي مؤسس حزب الشعب الشيوعي في عام 1965. وحرص الاتحاد السوفيتي فور إقامته نظاما ماركسيا على دعم تراقي، الذي بدوره أبرم في موسكو - بعد قرابة ثمانية شهور من انقلابه الدموي- معاهدة صداقة بين البلدين تمتد لعشرين عاما، وتعهدت موسكو من خلال الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف بزيادة مساعداتها الاقتصادية والعسكرية لأفغانستان. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن.
سادت البلاد موجة غضب من الأوضاع السياسية الجديدة والغريبة على الشعب. فقد سعى تراقي إلى تطبيق الماركسية على كل الأصعدة دون اعتبار للتقاليد والأعراف الاسمية التي نشأ عليها الشعب، فجر البلاد إلى مشارف حرب أهلية، ولم تنقذه معاهدة 5 ديسمبر 78 التي مر اليوم 30 عاما على إبرامها.
في بداية خريف 79 انقلب عليه رفاقه الشيوعيين وقتلوه، وجاء إلى الحكم حفيظ الله أمين الذي لم يدم حكمه سوى ثلاثة شهور، فقد قتل لأنه غير مرغوب فيه من قبل موسكو، واجتاح السوفييت الأراضي الأفغانية بقوة قيل أنها تزيد على مئة ألف جندي في 25 ديسمبر، وأتوا بحاكم شيوعي هو بابراك كارمل الذي ما كان سوى دمية يحركها السوفييت الذين صالوا وجالوا ثم سقطوا في المستنقع حتى خرجوا منه في فبراير .
حسن صابر


