من منا لا يتذكر مشهد السيدة العجوز التي تجلس في ساحة إحدى المحاكم المصرية وهى تضع يدها على «خدها» تشكو حالها لسيدة شابة أخرى مرت بجوارها وجلست تتحدث معها عن الظلم الذى يقع على المرأة التى تريد الطلاق وتلجأ في ذلك الى طريق القضاء.. السيدة العجوز كانت الفنانة الراحلة العظيمة أمينة رزق.
أما السيدة الشابة فقد كانت الفنانة القديرة فاتن حمامة، والمشهد كان من فيلم «أريد حلا» للكاتبة الصحافية حسن شاه والذى تم بعد عرضه إدخال تعديلات جوهرية على قانون الأحوال الشخصية وبخاصة فيما يتعلق بمسائل الطلاق، وبالرغم من إصدار قانون «الخلع» منذ سنوات، إلا أنه يبدو غير كاف.
ففي إحدى جلسات المؤتمر السنوي الخامس للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر وتحديدا جلسة «حقوق المواطنة والديمقراطية» تم الإعلان عن أن الحزب الحاكم في مصر يتبنى فكرة وضع تشريع جديد للأحوال الشخصية يضم في طياته جميع القوانين المنظمة لأحوال الأسرة المصرية سواء للمسلمين أو الأقباط.
وقالت وكيلة مجلس الشعب وعضو المكتب السياسي للحزب الوطني الدكتورة زينب رضوان:
إن قانون الأحوال الشخصية الحالي يحتاج الى إعادة تنقيح خاصة في جانبه الموضوعى، وكنا في عام 2000 قد نقحنا الجانب الاجرائي منه والآن نريد أن نعيد الكرة في الجانب الموضوعي.
وأضافت: انه بشكل عام فإن القانون الجدي سيتحدث في كل ما يتعلق بالأسرة المصرية منذ لحظة تكوينها ابتداء من تعريف الزواج وأشكاله وأركانه والشروط التى يمكن قبولها فيه أو رفضها بالإضافة للحديث عن حقوق الرجل وحقوق المرأة ابتداء من فترة الخطوبة وما الذى يترتب على فسخها أو إنهائها أو استكمالها، كما يتطرق مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد الى الحديث عن الطلاق بعد الدخول والطلاق قبل الدخول وكل دستور الحياة الزوجية وحقوق الطرفين.
ضبط الأوضاع قانوناً
وأشارت الى أن القانون الحالي يتحدث عن الطلاق وما قبل هذا يترك لأرجح الأقوال عند الإمام أبى حنيفة وهذه المسألة تحمل مشكلتين، الأولى أن هذا الأمر ، البحث عن أرجح الأقوال عند الإمام أبى حنيفة ، يتطلب تخصصا عاليا جدا يجب أن يتوافر لدى القاضي حتى يستطيع أن يميز بين الراجح والمرجوح عند الإمام خاصة أن أبا حنيفة لديه الكثير من المؤلفات وهذا إجهاد حقيقي يقع على عاتق القاضي، أما الشق الثانى فيتعلق بالمواطن نفسه الذي من حقه أن يعرف نصوص القانون الذى ينظم حياته ، لأنه إذا لم يجد نصوصا قانونية واضحة فلن يبحث عن أرجح الأقوال عند أبى حنيفة.
وتابعت: لذلك كان لابد من البحث عن نصوص قانونية جديدة تنظم المشكلات التى لم ترد فيها نصوص واضحة خاصة أن هناك مستجدات كثيرة طرأت على الحياة الزوجية والعلاقات بين الرجل وزوجته.
وشددت على ضرورة إعادة النظر في قضية تعدد الزوجات وحقوق الطفل وواجباته وحقوقه بالنسبة للأب والأم وحقوق الرؤية وتنظيمها في حالة الانفصال لذلك لابد من توحيد كل هذا الكم من القوانين التي تعالج مسائل الأحوال الشخصية في بوتقة واحدة خاصة إذا كان الأمر يتعلق بمرور أكثر من 80 عاما على صياغة هذه القوانين. وأشارت رضوان إلى أن الفانون لا يزال في مراحله الأولى فهو لا يزال مشروع قانون وليس قانونا وبالتأكيد سيتم إدخال بعض التعديلات عليه عند مناقشته في المجلس.
تحديد الحقوق والواجبات
وتحدثت عن الرؤية التي يود الحزب الوطني أن يطرحها في القانون ، فعلى سبيل المثال يرى الحزب أن ينص صراحة على الحجية القانونية لشروط عقد الزواج بحيث تكون جزءا من الوثيقة يتضمن توقيعها من الطرفين رضاء أو استبعادها صراحة، كذلك يحدد القانون الحقوق والواجبات التي يؤدي عدم توثيق عقد الزواج إلى التنازل عنها.
وقالت: هناك أيضا رؤية مطلوبة بأن يكون قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين ولكن الذي سيضع نصوصه وقواعده الحاكمة هم رجال الدين المسيحي والمثقفون وتطرح هذه الاقتراحات وتقدم للكنيسة ويتم التحاور حولها وما ينتهون إليه من أمور وقواعد تتم صياغته في الصورة النهائية ثم يعتمده مجلس الشعب بعد ذلك، مشيرة إلى انه حتى هذه اللحظة العقيدة المسيحية لم تتدخل في بعض الأمور مثل المواريث والحضانة والأمور الخاصة بالطلاق، ولكن كل هذه الأمور متروكة للمؤسسة الكنسية.
ومن جانبة قال عضو مجلس الشورى المصري نبيل لوقا بباوي ان قانون 462 لسنة 55 وهو قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين المطبق حاليا على الأقباط محل اعتراض من الأقباط لأنه يضع 10 حالات للطلاق وهذه الحالات منها 9 تخالف نصوص الإنجيل وهناك آية في إنجيل «متى» الإصحاح الخامس تقول: «لا طلاق الا لعلة الزنا» لذلك فالسبب الرئيسي للطلاق في المسيحية هو الزنا.
وقال بباوى: إن القانون المطبق حاليا غير دستوري لأنه مخالف للمادة 2 من الدستور التى تقول ان الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسي للتشريع والمصدر الرئيسي للتشريع هو الكتاب والسنة ، لكن الرسول قال في مسائل الأحوال الشخصية أتركهم لما يدينون .... أى المسيحي يترك لإنجيله واليهودي لتوراته في هذه الجزئية.
وأشار إلى أنه في عام 1979 اجتمعت الملل الثلاث الأرثوذوكسية والبروتستانتية والكاثوليكية ووضعوا مشروع قانون للأحوال الشخصية وافقت عليه الملل الثلاث بما لا يتعارض مع نصوص الدستور وقدموه لمجلس الشعب (البرلمان)، لكن حدث حادث المنصة وقتل الرئيس الراحل أنور السادات وصعبت التطورات من الأوضاع القائمة آنذاك ولم يكن المناخ مهيأ لبحث أي شيء خاص بالأقباط فظل القانون حبيس الأدراج حتى الآن.
الأحوال الشخصية لغير المسلمين
ولفت الى أن الحكومة ستسعى لأن تجتمع الملل الثلاث مرة أخرى لوضع قانون جديد للأحوال الشخصية لغير المسلمين ومن وجهة نظري يجب ألا يخالف الشريعة الإسلامية، مشيرا إلى أنه لا يوجد قانون وضعي في الإنجيل لينظم مسائل المواريث لذلك لابد من الخضوع للقانون الوضعي الذي يطبق على المسلمين وإلا سأضع قوانين منظمة للمسلمين وأخرى للأقباط في كل شيء.
ومن جانبها، قالت أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الدكتورة سعاد صالح: انها تتفق مع الرأي الذي يقول بعدم الالتزام بالرأي الراجح عند الإمام أبى حنيفة لأنه حسب قولها فيه «تضييق ومشقة على القضاة».
وطالبت باشتراك أخصائيين اجتماعيين وقانونيين عند الشروع في سن هذه القوانين الى جانب أن يكون هناك مجموعة من المتخصصين أيضا في الشؤون النفسية، مشيرة إلى أن المغرب وتونس وعدد آخر من الدول سبقت مصر في عمل مدونات الأحوال الشخصية لذلك مصر تعتبر متأخرة في هذا الشأن.
القاهرة ـ «البيان»
