ألقت تفجيرات مدينة «مومباي» الهندية وما ترتب عليها من نتائج وأحداث بظلال كثيفة على الكثير من الأحداث والعلاقات بين الدول خاصة في ظل ارتفاع أعداد الضحايا الذي وصل حتى أخر إلاحصاءات إلى 195 قتيلا بينهم أميركيون وإسرائيليون وبريطانيون وألمان وبلجيك وغيرهم فضلا عن 295 جريحا ، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول ماهية الجهات التي تقف خلفها وعلاقة تنظيم القاعدة بها- ومدى تأثير تلك العملية على مستقبل العلاقة الهندية- الباكستانية وتأثيرها علي الحملة العالمية لمواجهة الإرهاب.

في البداية ، أكد نائب رئيس الإنتربول الدولي السابق والخبير الأمني اللواء سراج الروبي أن تفجيرات «مومباي» الهندية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه لم يعد هناك دولة بمنأى من أن تكتوي بنار الإرهاب وهذا وضع طبيعي إزاء عدم تكاتف الدول في التصدي له ومكافحته ،منبها الى أن اعتقاد البعض أنه خارج تهديدات الإرهاب فهو خاطئ، ومن أجل هذا أصبح تضافر الجهود والتعاون الأمني خارج إطار المناقشة فهو حتمية تاريخية لا مناص منها .

منطقة ملتهبة

وأعرب الروبي عن اعتقاده بأن تنظيم القاعدة الآن في إطار الأفول وأنه لم تعد له قائمة وأن تلك هي الحركة التي تسبق«الوفاة الإكلينيكية»، مشيرا إلى أن منطقة شبه القارة الهندية هي منطقة ملتهبة وتشهد صراعات منذ عام 1948 .

وتوقع الروبى ألا تتصاعد الأحداث أو تشهد موجه جديدة من الأعمال الإرهابية خلال المرحلة القادمة قائلا: لقد تعودنا أن تتبع كل عملية إرهابية مرحلة استنفار أمني وسكون من الجماعات والتنظيمات الإرهابية وهو سمة أساسية في الصراع بين الأمن والإرهاب.

وبدوره ،أكد خبير الجماعات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور نبيل عبد الفتاح أنه من المرجح ضمن السيناريوهات المتوقعة لماهية الجهات التي تقف وراء الأعمال الإرهابية الأخيرة في الهند أن أحد أبرز الاحتمالات أنها أحد الجماعات الإسلامية المناهضة للوجود الهندي في إقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان والتي تدعو لعودة الإقليم إلي السيادة الباكستانية باعتبار أن ذلك أقرب للاندماج الديني.

وقال عبد الفتاح : ليس بالمستغرب أن تتبع هذه الجماعة نفس الأداء والأساليب العسكرية التي يستخدمها تنظيم القاعدة والجماعات والخلايا التي ترتبط بالقاعدة سواء في علاقة تنظيمية أو نمطية أو أيديولوجية.

وأشار إلى أن عملية مومباي اتسمت بعدة سمات رئيسة لعل من أبرزها أنها تشكل نقطة تحول كبرى في الجماعات السياسية الإسلامية في إقليم كشمير وتنتقل بها إلى مستوى أكثر احترافية تدريبا وتخطيطا وتنفيذا وأكثر تقدما على المستوى اللوجيستي من العمليات التي تمت من قبل في سواء في باكستان أو الهند أو جنوب شرق آسيا من جماعات تنتمي لتنظيم القاعدة سواء في بالي أو باكستان على سبيل المثال ، فهذه العملية أكثر تطورا من ناحية التنظيم والتنفيذ والخسائر.

فتش عن الإنفصاليين

ومن جانبه، يرى الباحث المتخصص في شؤون جماعات الإسلامية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة الدكتور علي بكر أن أصابع الاتهام تشير بقوة إلى وقوف عناصر باكستانية وراء أحداث «مومباي» وأن هذه العناصر تنتمي لجماعة «عسكر طيبة» والتي تطالب بانفصال إقليم كشمير عن الهند والانضمام إلى باكستان.

وحول مدى علاقة تنظيم القاعدة بتلك الأعمال ، قال بكر :إن تنظيم القاعدة كتنظيم أم يرأسه أسامه بن لادن ويديره حاليا في ظل تغيب بن لادن أيمن الظواهري لا يستطيع الآن القيام بأية عمليات خاصة بعد المطاردات والضربات الأخيرة التي تعرض لها ، وأن كل ما يستطيع أن يقوم به هو الهروب والتخفي من المخابرات الأمريكية والباكستانية والمطاردات الإستخباراتية الدولية .

وأشار بكر إلي ظهور نماذج للقاعدة في العالم الإسلامي ، وهذه النماذج عبارة عن جماعات محلية تستخدم النموذج والخطوط العامة لتنظيم القاعدة دون أن يكون للقاعدة علاقة مباشرة بها مشيرا إلى وجود أفرع أصيلة للقاعدة في المملكة العربية السعودية والعراق ونماذج مقلدة ومتبعه لفكر القاعدة في عدد من البلدان الإسلامية ، فالتنظيمات قد تتشابه أيديولوجيا ولكن لا توجد علاقات مباشرة بين تلك التنظيمات والجماعات وتنظيم القاعدة.

ولفت إلى أن التنظيمات الإسلامية المتطرفة مثل تنظيم القاعدة والجهاد والجماعة الإسلامية في مصر كثيرا ما ينسبون لأنفسهم بعض الأعمال والأحداث على غير الحقيقة من باب إثبات الوجود على الساحة والتأكيد على قدرتهم على الفعل والتأثير.

وأشار إلى أن المراجعات الفقهية للجهاد التي يقوم بها الدكتور سيد إمام منظر الجماعة الإسلامية سيكون لها أثار إيجابية كبيرة على مختلف الجماعات الإسلامية الجهادية في العالم ، إلا أن هذه الآثار لن تظهر بين يوم وليلة وستأخذ بعض الوقت.

إضاءة

يشير الدكتور علي بكر إلى إنه مما لاشك فيه أن تفجيرات«مومباي» الأخيرة ستلقي بظلال كثيفة علي العلاقات الهندية- الباكستانية خاصة وأن الهند لديها اعتقاد بأن المخابرات الباكستانية تقف وراء مثل هذه العمليات للضغط على الهند فيما يتعلق بالمسألة الكشميرية ،ولكن قرار باكستان بإرسال مسؤول استخباراتي للتنسيق مع الهند قد يقلل من هذه المشاعر خاصة وأن باكستان مكتوية أيضا بنيران الإرهاب وتفجيرات فندق «ماريوت» في باكستان ليست ببعيد.

القاهرة - «البيان»