تعتبر الإمارات حالياً من أهم المراكز الملاحية في العالم من خلال مجموعة متميزة من المطارات الدولية ذات الخدمات المتطورة، ولكن كانت الصورة مختلفة قبل 75 عاماً حيث لم يكن هناك سوى مطار الشارقة. في شارع الملك عبد العزيز بمنطقة القاسمية يقع متحف المحطة، وهو المكان الذي يجمع تراث الشارقة في مجال النقل بالطائرات منذ سنوات طويلة بدأت في الخامس من أكتوبر عام 1932 حيث شهد ذلك اليوم وصول أول رحلة نقل ركاب بالطائرة من مدينة كريدون الإنجليزية إلى الامارة ضمن رحلات عديدة من لندن إلى الشرق الأقصى، وكانت الشارقة إحدى محطات التوقف، ولعل هذا سبب التسمية بـ (متحف المحطة). وكان المكان قديماً يمثل مطار الشارقة قبل أن ترتفع الأبراج السكنية في الشارع وتحوله إلى قلب المدينة المزدحم وانتقال المطار إلى مكانه الحالي على طريق الذيد.
يؤرخ متحف المحطة لبداية عهد المدينة بالطيران وذلك عام 1932 عندما طلبت شركة إمبريال البريطانية للطيران من حاكم الشارقة في ذلك الوقت المغفور له الشيخ سلطان بن صقر إذناً بالسماح لطائراتها بالتوقف في طريقها من بريطانيا إلى الهند فتم تمهيد وتعبيد مساحة من الأرض قريبة من البحر لهذا الغرض وصدر أمر ببناء قلعة استخدمت كاستراحة للركاب وطاقم الملاحة. ومع ازدياد أهمية الشارقة كمركز تجاري وحضاري قامت القوات الجوية البريطانية بزيادة طول مدرج الطيران في العام 1940 واستخدمت القلعة كمقر لقوة كشافة عمان المتصالحة وهي الجهة التي كانت مسؤولة عن الأمن في ذلك الوقت.
تتنوع المقتنيات في المتحف بين صور تاريخية تسجل بعض اللقطات لركاب في (محطة) الشارقة أو لعمال من طاقم العمل في المطار أو لقطات تخيلية لطيور عملاقة ويضم المتحف كذلك ضمن أهم مقتنياته نماذج لمحركات الطائرات التي استخدمت في فترة الثلاثينات والأربعينات، وطائرات تعود ملكيتها لشركة طيران الخليج أحيلت للاستيداع بعد سنوات من خدمة الركاب، غير أنها ما زالت بحالة جيدة على الأقل من حيث المظهر الخارجي. وتبدأ جولتنا من ساحة المتحف الخارجية المحاط بسور حديدي، حيث كان مهبط الطائرات يمتد عبر المسافة الواقعة بين ميدان الاتحاد وشارع الوحدة وهو المعروف حالياً بشارع الملك عبد العزيز، ثم الساحة الداخلية التي يحوطها السور الحديدي، ويتوسط تلك الساحة برج المراقبة المنوط به متابعة حركة الطائرات والتواصل مع قائديها لمساعدتهم على الإقلاع والهبوط في أمان، ويتخذ برج المراقبة شكلاً قريباً من شكله الحالي المعروف، أما مدرج إقلاع وهبوط الطائرات فقد تحول إلى شارع الملك عبد العزيز في شكله الحالي. وإلى اليسار تقع قاعة المقتنيات الرئيسة التي تشتمل على عدة طائرات من أحجام مختلفة كانت تستخدم في رحلات نقل الركاب بين الشارقة ومدن العالم المختلفة، وتقبع الطائرات ذات الحجم الضخم على أرض القاعة بينما تعلق الطائرات ذات الأحجام الصغيرة في سقف القاعة في وضعية توحي بأنها في وضع الطيران، وتضم القاعة أيضاً سلم صعود ونزول الركاب من وإلى مقصورة الطائرة وهو من الحجم الصغير الذي استخدم قديماً، كما تعرض نموذج لطائرة شراعية بأجنحتها العريضة ذات الطبقتين.
ومن اللافت أن من يشاهد هذه المعروضات يتصور أنها في حالة استخدام حالياً حيث أنها تحتفظ برونقها وبريقها الخارجي وكأنها عائدة للتو من رحلة طيران طويلة أو في طريقها للإقلاع من المحطة خلال دقائق. أما أهم ما يعرضه المتحف من المقتنيات فهي مجموعة من المحركات تمثل التطور النوعي الذي شهده هذا المجال الحيوي، وتتنوع هذه المعروضات بين المحركات البدائية وصولاً إلى المحرك المستخدم حالياً في الطائرات من طراز بوينج الشهير، ومجموعة الذيل الخاصة بإحدى الطائرات الكبيرة محتوية على دفة التوجيه وهو الجزء المتحرك في مؤخرة الذيل والذي يناط به توجيه الطائرة يميناً أو يساراً علاوة على وظيفة التوازن. وتعتبر محطة الشارقة أول مكتب رصد أحوال جوية في الإمارات وعمان، وتم تأسيسه عندما دعت الحاجة لجمع معلومات عن حالة الجو بعد تزايد الأنشطة المرتبطة بالملاحة الجوية والطيران وازدياد الرحلات ما بين الوجهات الأوروبية المختلفة والشرق الأقصى وأستراليا، وكانت المحطة في ذلك الوقت تقوم بدورها كوجهة وسيطة بين مقصدين.. ويسجل المتحف أن أول معلومات للرصد الجوي في الشارقة تمت في العام 1934 من مكتب الرصد الخاص بالمحطة ، واستمر الرصد منها حتى عام 1976 حيث انتقل المكتب إلى مطار الشارقة الجديد، وتعرض في أحد الأركان الأجهزة التي كانت مستخدمة في الرصد مثل البارومتر والترمومتر ومقاييس المطر، وهي أجهزة متواضعة وبسيطة وتختلف بالطبع عن الأجهزة المعقدة المستخدمة حالياً والتي تعتمد على أجهزة الحاسوب والأقمار الصناعية. وتعتبر مراوح الطائرات القديمة بأحجامها المختلفة، ومكتب مدير المحطة مع ملحقاته من المعروضات الفريدة، وأيضاً تعرض نماذج لمقاعد الركاب مع نموذج حقيقي لمقعد قائد طائرة والأجهزة الموجودة في كابينة القيادة .. كما تعرض أيضاً نماذج من الصندوق الأسود بلونه البرتقالي المميز مع شرح مبسط لوظيفته المهمة في تسجيل الوقائع للرجوع إليها في حالات تحليل الحوادث.
إضاءة
تضم أهم مقتنيات متحف المحطة بالشارقة جهاز الهاتف القديم الذي استخدمه الركاب في إجراء محادثاتهم الدولية من المطار وجهاز تزويد الطائرات بالوقود واستبدال الزيوت وهو خاص بإحدى الشركات الشهيرة التي مازالت تعمل في المجال، كما تضم نموذجاً مصغراً لمدرج المطار والأبنية المحيطة به، وأجهزة الملاحة الجوية المستخدمة في الاتصال مع أبراج المراقبة في المطارات المختلفة وكذلك إطار من المطاط كنموذج لإطارات الطائرات التي استخدمت قديماً.
أيمن حجازي



