«الحاجة أم الاختراع» قاعدة طالما صاحبت الإنسان الإماراتي قديماً قبل بزوغ فجر التطور، فقد اجتهد كثيراً ليؤمن احتياجاته في ظل حالة شظف العيش التي سادت في تلك الفترة. ونظراً لعدم توفر الكهرباء التي تمكنه من حفظ السمك، وتقلب حالة البحر ومواسم صيد السمك برزت لديه فكرة «المالح» التي ساعدته على حفظ لحوم السمك لمدة طويلة دون أن تفسد أو يتغير طعمها، وقد أصبح المالح فيما بعد سلعة تجارية مهمة تستخدم في التبادل التجاري مع دول الخليج والهند.

طقوس المالح... للمالح طقوس وحكايات لا يعرف خباياها سوى أولئك المرتبطين بالبحر، وفي حديثه معنا يروي صالح سنيدي، أمين سر جمعية الرمس للفنون الشعبية والتجذيف، بعضا من هذه الطقوس حيث قال: «لطالما ارتبط المالح بسمك البحر، وكثر استخدامه في تلك الايام التي شهدت شظف العيش وقلة الموارد، ففي أثناء موسم الصيد كان الصيادون يعودون بكميات وفيرة من الأسماك تزيد عن حاجتهم.

وبسبب عدم توفر الوسائل التي تمكنهم من حفظ السمك، وتقلب مواسم صيد السمك ابتدعوا فكرة «المالح» مستفيدين من وسيلة التمليح التي ابتكرها الإنسان القديم لحفظ لحوم الحيوانات والأسماك، فكان التمليح إحدى الطرق التي وفرت للإنسان الإماراتي حاجته من السمك في أيام القيظ (الصيف)، فيحتفظ بصلاحيته دون تبريد. في تلك الأيام كان المالح يتبادله الأهالي كهدايا فيما بينهم وكان أيضا يباع للأغراض التجارية ولم يكن غالي الثمن، وفيما بعد أصبحت تباع كل 52 قطعة بخمسة دراهم، ومع توفر السمك وغلاء المعيشة لم يعد يصنع المالح للحاجة، وقد ارتفع سعره لتباع العشر قطع حالياً بـ 250 درهما خاصة في الفجيرة التي يكثر فيها صنع المالح. وأبرز التجار الذين كانوا يقومون بشراء السمك بهدف تمليحه هو سلطان بن عبد الله، وهو من أهالي الرمس، وكان يتولى شراء السمك الفائض عن حاجة الأهالي، ويقوم بتمليحه وبيعه، وعادة كانت عملية التمليح تستغرق مدة يوم أو اثنين بحسب كمية السمك، وأجرة العامل كانت لا تتجاوز روبية واحدة بالإضافة إلى سمكة أو اثنتين.

انواع السمك... يصنع المالح من أسماك الكنعد الذي يعتبر من أجود أنواع المالح، وكذلك من سمك الصدى والقباب، وحصان البحر (سمك الحاسوم) وكبار أسماك الشعري، وتبدأ العملية بتنظيف السمكة من الداخل بعد قطع رأسها، وتشق من النصف بحيث تصبح قطعة واحدة، ويعتمد حجم القطعة وطريقة شقها على نوع السمكة وحجمها فاذا كانت كبيرة تقطع إلى أربع أو خمس قطع. بعد ذلك توضع عليها كميات كبيرة من الملح الذي كان يستورد من الهند وإيران وكان سعر القالب لا يتجاوز ثلاثة دراهم، وأحيانا كان الأهالي يصنعونه بأنفسهم وكانت في الرمس بحيرة صغيرة في منطقة الضاية يستخرج الأهالي منها الملح.

بعد الانتهاء من التمليح توضع قطع السمك فوق بعضها البعض وتحفظ في «خروس» وهي أوان فخارية كبيرة، وفيما بعد بدأوا يستخدمون «الأبياب» وهي جمع لكلمة «بيب»، المأخوذة من علامة تجارية موجودة على براميل إحدى شركات النفط، و«الأبياب» هي صفائح معدنية تصنع للتخزين، وحالياً يباع المالح في أوان بلاستيكية، وكانوا يحرصون على عزلها عن الهواء حتى لا يتأكسد الملح وبالتالي يفسد السمك، وتستمر مدة الحفظ 40 يوماً وأحياناً تصل إلى 6 أشهر أو أكثر بحسب الموسم والمكان الذي توضع فيه الأوعية أو الآنية.

ولإضافة نكهة خاصة على السمك كانوا يضيفون بعض البهارات أو النعناع أو الريحان أو الليمون الصغير بداخل الأوعية.

وكانوا يعرفون نضوج السمك عن طريق اللون والملمس وأحيانا الشم، فاذا كان فاسدا يتحول لونه من الأبيض إلى الأصفر الداكن المائل للون البني، وهذه إشارة لعدم صلاحيته للاستهلاك الآدمي حيث يحول إلى علف للأبقار، أما إذا كان لونه أحمر فذلك يعني أنه ناضج وجاهز للاستخدام.

لم يقتصر أهل الامارات في حفظهم للسمك على تمليحه فقط انما كانوا يقومون بتجفيفه ايضا، واكثر من اهتموا بذلك هم البحارة الذين كانوا يقضون فترات طويلة في عرض البحر، حيث كانوا يضعون قراقير مصنوعة من سعف النخيل بسعة عشرين كيلوغراما عند المرساة (الباورة) ويضعون فيها فلق من المحار ليكون طعماً يغري الأسماك للدخول فيها.

وما يزيد على حاجتهم بعد تقديم الوجبة الرئيسية للبحارة كانوا يقومون بتمليحه أو تجفيفه بواسطة شكة في حبل يربط بين قائمتين، وكانوا يحرصون على أن يكون التجفيف جيدا ليتمكنوا من بيعها بسعر عال، و على العكس منه فالذي لم يجفف جيداً يباع بسعر مقبول أو متدن، وما أن يعودوا إلى اليابسة حتى يكون عندهم الصيد الوفير من سمك الحلاء حيث يستخدمونه أيام الشتاء، ويتم تقسيمه بين البحارة بالتساوي، ونصيب الأسد يكون للنوخذة.

لم يقتصر المالح على التجارة فقط، انما تحول الى وجبة رئيسية في المطبخ الاماراتي، وبرع أهل الامارات في تقديمه باشكال مختلفة.

إضاءة

ابتكرت «وجبة المالح» منذ قديم الزمان، وقد استفاد الإماراتي من وسيلة التمليح التي ابتكرها الإنسان القديم لحفظ لحوم الحيوانات والأسماك، فكان التمليح من الطرق التي وفرت للإماراتي حاجته من السمك في الأيام العاصفة، حيث يمكن للملح أن يحتفظ بصلاحية السمك لمدة طويلة، وقديماً كان الرجال يصنعون المالح ليخزن في أوان فخارية عملاقة تسمى «خروس» ومفردها «خرس».

غسان خروب