ايرلندا الشمالية جزء من المربع الأممي الذي يضم انجلترا واسكتلندا وويلز ويشكل بالتالي المملكة المتحدة. وعندما يأتي ذكر قضية ايرلندا الشمالية، فلابد على الفور أن نذكر معها «شين فين». فهو حزب سياسي عريق له دوره التاريخي في النضال من أجل استقلال ايرلندا ووحدتها حتى قبل ظهور جمهورية ايرلندا الجنوبية «المستقلة».
تأسس الحزب في أوائل القرن العشرين على يد السياسي القومي أرثر جريفيث، ويمر اليوم 103 أعوام على تأسيسه. و«شين فين» معناها «أنفسنا». أي أنه ذو معنى قومي يعبر عن الذات الايرلندية، ويعني الاستقلالية وعدم الانتماء للمملكة المتحدة. انطلقت مسيرة «شين فين» على أساس أنها حركة سياسية عناصرها وأنصارها من الكاثوليك. ولذلك اصطدمت في بداية المسيرة بالواقع الذي لا يحقق كل مطالبها ومساعيها في الانفصال عن بريطانيا. فغالبية سكان ايرلندا ذو جذور اسكتلندية ومن البروتستانت، ارتبطوا ببريطانيا وراضون بالسيادة الانجليزية عليهم. وفي عام 1919، ظهر الجناح العسكري لـ «شين فين»، والمعروف باسم منظمة الجيش الجمهوري الايرلندي. في ذلك العام بدأت عناصر هذا الجناح حملتهم العسكرية ضد القوات البريطانية. وفي عام 1921، تم الاتفاق على وقف اطلاق النار . ووقع زعيم «شين فين» أرثر جريفيث والقادة السابقون للحركة على معاهدة تاريخية مع بريطانيا، بمقتضاها ، قسمت ايرلندا وظهر الجزء الجنوبي كاقليم يتمتع بالحكم الذاتي (صار فيما بعد جمهورية مستقلة)، والمقاطعات الست الأخرى من جزيرة ايرلندا بقيت تحت سيطرة المملكة المتحدة. بعد هذا التقسيم، اندلعت نيران الحرب الأهلية، وكانت نهايتها عام 1923عندما ألحقت القوات الايرلندية ـ المنتسبة الى ما عرف فيما بعد باسم جمهورية ايرلندا (الجنوبية) ـ الهزيمة بالقوات الجمهورية الايرلندية (قوات الجيش الجمهوري الايرلندي). فيما بعد بدأت هذه القوات المهزومة بإعادة تنظيم صفوفها وشكلت قوة تعمل تحت الأرض. ومن يومها وعلى مدى 8 عقود بقيت الشين فين الجناح السياسي غير الرسمي لمنظمة الجيش الجمهوري، تناضل من أجل استقلال ووحدة ايرلندا.
واذا كان أرثر جريفيث قد لمع تاريخيا كمؤسس لحركة «شين فين»، فجيري أدامز هو نجمها المعاصر الذي نجح بمهارة في اكمال مسيرة جريفيث. تقول عنه شبكة بي بي سي البريطانية، إنه ظل طوال عقدين الزعيم المطلق لحركة الجمهوريين الايرلندية في الحرب والسلم، ولم يسبق له أن واجه ولو تحديا واحدا خطيرا لزعامته لكل من شين فين والجيش الجمهوري الأيرلندي معا. ظل أدامز الشخصية المحورية لهذا التنظيم لمدة تناهز ثلاثين عاما. وتشير الشبكة الى أنه رغم نفيه أي علاقة له بالجيش الجمهوري، إلا أنه ما كان له أن يتبوأ منصبه لو لم يكن عضوا في الجيش الجمهوري وتزعم مصار أمنية بريطانية أنه تولى مناصب قيادية كبرى في الجيش الجمهوري، من بينها عضو في مجلسها العسكري الحاكم، إلا أن أدامز ينفي كل ذلك حتى الآن.
المهم أنه ـ كما نقلت بي بي سي ـ كان له دور استراتيجي حاسم في حمل الجمهوريين على الانتقال من العمل المسلح إلى صناديق الاقتراع، حين قال لهم في نهاية القرن العشرين، إن النصر لا يتحقق بالعمل العسكري فحسب. وبعد سنة من ذلك التاريخ، ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك . فقد قال إنه إذا كان البريطانيون قد خلصوا إلى أنهم لن يستطيعوا إحراز نصر عسكري، فلماذا لا يصل الجمهوريون إلى الخلاصة ذاتها.
نجح ادامز في أن يظهر أمام شعبه على أنه جاد وحريص على السلام والتسوية السياسية. واذا كان الانجليز قد سعوا في منتصف الثمانينات الى دعم الحزب الاجتماعي الديمقراطي والعمالي بزعامة جون هيوم ضد ادامز والشين فين، إلا أن الأخير أقنع خصومه بالتفاوض لايجاد حل سلمي. وبالفعل، وبعد سنوات بين الشد والجذب أجريت مفاوضات علنية بين هيوم وادامز، أثمرت عن وقف إطلاق النار.
وتصف البي بي سي ادامز بأنه سياسي داهية، تمكن من تحويل المقاربة الجمهورية من عمل مسلح إلى عمل سياسي عاد بمكاسب أكبر بكثير مما فعلته القنابل والرصاص.
في العام الماضي، شهدت ايرلندا تحولا تاريخيا، اذ توصل القطبان المتنازعان في أيرلندا الشمالية رئيس الحزب الديمقراطي الاتحادي إيان بيزلي ورئيس حزب شين فين جيري آدامز على مشاركة السلطة وتشكيل حكومة مشتركة لإدارة الإقليم.
بيزلي كان يدعو إلى الاندماج في بريطانيا، وآدامز كان يدعو إلى الاستقلال. وفي النهاية، هناك حكومة يقتسم فيها زعماء البروتستانت والكاثوليك، الذين تناصبوا العداء لعقود السلطة في ايرلندا الشمالية. وأدى كل من زعيم الحزب الديمقراطي الاتحادي ايان بيزلي اليمين كرئيس للوزراء مارتن مكجينيس عن حزب شين فين نائبا له في الحكومة التي تتولى القضايا المحلية بالإقليم.
وقد تعهد الاثنان بنبذ العنف ودعم المحافظة على الأمن. وقال بيزلي «انه يوم فريد لأننا نصنع بداية جديدة ونسير الآن على طريق سيعيدنا إلى السلام والرخاء».
جيري ادامز من جانبه، على قناعة بان اقتسام السلطة يثبت أن الحوار والمثابرة هما اللذان أتيا بهذه الثمار.
إضاءة
في صيف العام الماضي، أنهى الجيش البريطاني عملياته في ايرلندا الشمالية بعد ان استمرت 38 عاما، تحت مسمى عملية «بانر» التي بدأها الجيش لدعم قوات الشرطة في ايرلندا الشمالية، وهي أطول عملية في تاريخه، وشارك فيها نحو 30 ألف جندي.
ويقال إنه بقي خمسة آلاف جندي بريطاني في ايرلندا الشمالية، ولكن مسؤولية الأمن نقلت بالكامل الى قوات الشرطة.
وكانت قوات الجيش البريطاني أرسلت إلى ايرلندا الشمالية عام 1969 بعد اندلاع اشتباكات بين كاثوليك وبروتستانت. وعندما نشرت أول مجموعة من الجنود في ذلك العام، كان قادتها يعتقدون أنهم سيبقون في ايرلندا الشمالية لعدة أسابيع فقط. ولكن سرعان ما ازداد تواجد الجيش البريطاني في ايرلندا الشمالية ووصل في اعلي درجاته.
حسن صابر


