أحيت جمهورية أوكرانيا 22 من نوفمبر الجاري الذكرى الخامسة والسبعين للمجاعة التي ألمّت بها خلال الفترة ما بين عامي 1932-1933 التي أودت بحياة قرابة 7 ملايين شخص. وقد أصبح إحياء هذه الذكرى تقليدا تقوم به أوكرانيا كل خمس سنوات، وكان يمكن أن يكون هذا العام عاديا، لولا انه يأتي في ظل أجواء من التوتر السياسي الكبير بين أوكرانيا وروسيا «وريثة الاتحاد السوفييتي»، كما ياتي في ظل أزمة اقتصادية عالمية مالية وغذائية عميقة، وهو ما يضفي على الحدث طابعا مختلفا.
ما يثير الجدل حول المجاعة ليست المجاعة نفسها، بل محاولات التوظيف السياسي لها، فالأوكرانيون وبعد اعترف العالم بما في ذلك روسيا بحدوث تلك المجاعة يحاولون ان يؤكدوا انها لم تكن حدثاً عرضياً ذي طابع اقتصادي أو إداري، بقدر ما كانت انعكاسا لخطة سياسية مدبرة من قبل حكومة «الاستبداد الستاليني» التي مارست إرهاب الدولة ضد الشعب الأوكراني بالتجويع والإبادة الجسدية، وهو ما يختلف معهم فيه الروس الذين يعترفون بالمجاعة لكنهم يقولون انها كانت مجرد «مجاعة» وضحاياها لم يكونوا فقط من الأوكرانيين بل من الأوكرانيين والروس وغيرهم من بقية الجنسيات التي كانت تشكل «الاتحاد السوفييتي» وأنها لم تكن فقط على أراضي أوكرانيا بل امتدت لتشمل جمهوريات أخرى.
ومهما يكن الجدل حول هذا الأمر فان المؤكد أن تلك المجاعة وقعت وان الملايين من الناس راحوا ضحيتها وأنها كانت في أساسها نتيجة لسياسات نظام استبدادي فاشي متخلف، وان على العالم أجمع أن يعمل على منع تكرار تلك المأساة في أي مكان آخر من العالم.
وتسعى أوكرانيا من خلال إحياء ذكرى المجاعة الى التأكيد على أن من حق أولئك الملايين الذين فقدوا أرواحهم ان نعترف لهم بأنهم كانوا ضحايا وان نعدهم بان ما حدث لهم لن يحدث لأحفادهم مجددا .
كما يؤكد الأوكرانيون ويعلنون بشكل رسمي قاطع وحاسم أنهم لا يسعون للحصول على أي تعويض وليس لديهم اية مطالب ضد من ورثوا الاتحاد السوفييتي ـ روسيا ـ، غير أن الروس لا يأخذون هذا الإقرار الأوكراني على محمل الجد خشية ان يأتي من يطالب بتعويض يوما ما، ولذلك فهم وان اقروا بالمجاعة فإنهم لا يقرون أنها كانت أمرا مقصودا لإبادة العرق الأوكراني.
ومنذ إعلان أوكرانيا كجمهورية مستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سعت الحكومة الأوكرانية جاهدة إلى تعريف المجتمع الدولي بماهية مجاعة 1932-1933 عبر هيئة الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية منبراً للإعلان عن إدانتها للمجاعة.
وناشدت جميع دول العالم للانضمام إلى هذا الإعلان تحقيقاً للعدالة التاريخية ورد الاعتبار على من وقع عليه الظلم. وقد نوقش الأمر في الاجتماع الـ 58 للجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر 2003م، وصدر عن ذلك الاجتماع بيان مشترك بمناسبة إحياء الذكرى الـ 70 للمجاعة أعلنت فيه أكثر من 60 دولة عن شديد إدانتها للمجاعة.
وفي الأول من نوفمبر 2007م تمكنت أوكرانيا من تمرير قرارا يشجب المجاعة حيث صادق أعضاء منظمة اليونسكو البالغ عددهم 193 دولة بالإجماع على القرار، بحضور حوالي 4 آلاف شخص بمن فيهم 10 رؤساء دول وحكومات وأكثر من 270 وزيراً ونائب وزير. وفي 23 أكتوبر من العام الجاري اتخذ البرلمان الأوروبي قراراً يعترف بحدوث «هولودومور» - مجاعة المصطنعة - في أوكرانيا 1932-1933م.
