أثار الحكم بسجن شاب تحرش بفتاة بالطريق العام لمدة ثلاث سنوات وهى القصة المعروفة بصاحبة تلك القضية «نهى رشدي» ردود فعل وتساؤلات واسعة بالمجتمع المصري، بدأت بلماذا تحدثت نهى رشدي وبصوت عال مطالبة بحقها في القصاص من المتحرش بها فى مجتمع تعودت فيه أغلبية النساء على دفن الرؤوس في الرمال والصمت عن مواجهة التحرش الذي ربما يتعرضن له يوميا في الشارع والمواصلات وأماكن العمل؟
ولماذا هلل المجتمع والإعلام لتلك الفتاة واعتبرها بطلة ؟ ولماذا يصمت ذلك المجتمع على قضايا التحرش فيه مكتفيا بضجة إعلامية محدودة تثار عندما يقع كل حادث دون بحث عن علاج لأزمة تتفاقم كل يوم بالمجتمع وتتحول من سلوك فردي إلى سلوك جماعي؟
فى البداية، توضح الكاتبة الصحافية ورئيس تحرير جريدة «الأهالي» فريدة النقاش أن المجتمع المصري بات مهتما بالقطعة أى يهتم بالحادثة كلما وقعت فقط لا بها كقضية تهدد كيانه وهذا لأنه مجتمع مثقل بهمومه من بطالة وفقر ومشاكل العملية التعليمية والصحة والسكن والمواصلات ورغيف العيش وغيرها، أى أن أزماته عديدة جداً جداً ولا يجدا آفاقاً لحلها والخروج منها وبالتالي فقضية التحرش على خطورتها تبقى كجزئية مفردة ضمن قضايا عديدة يعجز المجتمع عن مواجهتها.
بداية للردع
واعتبرت أن الحكم فى قضية نهى رشدى بسجن المتحرش بها ثلاث سنوات يمثل بداية لردع العديد ممن يمارسون التحرش، كما نبه المجتمع لخطورة القضية وبدأت أجهزة الإعلام تسلط الضوء على خطورة السلبية في مواجهة من يمارسون التحرش بالشارع أو فى العمل أو بوسائل المواصلات.
وأشارت إلى ان نهى رشدى لم تكن لتتمسك بحقها الإ بفضل شجاعة أسرتها التي لم تخضع للتصورات الخاطئة عن العيب والفضيحة بالمجتمع، مؤكدة ضرورة وجود توعية أيضا داخل المناهج الدراسية وضرورة الدفع بالعلاقة بين الولد والبنت والرجل والمرأة لإطار الاحترام والمودة والرحمة كما كان الوضع في الماضي حيث كنا لا نسمع عن مثل هذا الأمر.
ومن جانبها ، ترى أستاذ الأجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فى مصر الدكتورة فادية أبو شهبة أن التحرش كظاهرة يمارس من جانب كل الفئات العمرية شباب وشيوخ إلا أنه ينتشر بقوة فى فئة المراهقين والشباب من 18 - 30 أو 35 سنة.
وأرجعت أبو شهبة ذلك لعوامل عدة فى مقدمتها البطالة وعدم القدرة بالتالي على الزواج وتلبية الاحتياجات الإنسانية لدى هؤلاء الشباب وعدم القدرة على استثمار أوقات الفراغ، وكذلك لأسباب آخرى كتعاطي المخدرات والفقر وغياب التربية والتأثر بمغريات الفضائيات من أفلام وأغان هابطة .
غياب الحضور الأمني
وأشارت الى أنه توجد أسباب أخرى تزيد من الظاهرة وتجعلها تتكرر بل وحولت التحرش من سلوك فردي إلى سلوك جماعي وهى غياب التواجد الأمني وسلبية المواطنين مما يجعل المتحرش واثقاً أنه لن يوبخ ولا أن يتم القبض عليه ويعاقب، لافتة إلى أنه خلال دراستها الميدانية على مجموعة من السجناء المدانين فى قضايا تحرش واغتصاب تنبهت لأثر المحاكاة والتقليد فكثير من هؤلاء ارتكب فعلته محاكاة لأصدقاء له أكدوا له أن أحدا لم يضبطهم بفعلتهم وأن الأسر والفتيات يخشون التبليغ خوفا من الفضيحة.
وترى أبو شهبة أن ذلك التخوف من رد فعل المجتمع الذى يرى فى سلوك التحرش فضيحة للبنت وأسرتها رغم أنها المجني عليها لا للجاني، يزيد من حجم الظاهرة لأنه يسهل الجريمة على الجاني، خاصة فى مجتمع يربى فيه الأبن الذكر على أنه رجل لديه كل الحقوق، بل اننا نجد آباء يشجعون أبناءهم على معاكسة الفتيات أو التحرش بهن كدليل لبلوغه وكونه رجلاً، بينما تربى البنت الأنثى على ثقافة الصمت والشك بها، ولذلك فهي بالأساس لا تتكلم مهما حدث لها خوفا أولاً من عقاب أسرتها ثم عقاب المجتمع.
الإلتزام بصحيح الدين
ومن جانبها، ترى استاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الدكتورة سعاد صالح أن التحرش كظاهرة انتشر نتيجة لاقتصار النظر للالتزام بالدين الإسلامي على أنه حجاب ونقاب ولحية وغير ذلك من مظاهر التدين الشكلي، وأيضاً لغياب سلوكيات المجتمع الإسلامي من حمية وشهامة، لافتة إلى أن التدين الحقيقي بالمجتمع وهو الإلتزام بآداب التعامل بين الرجل والمرأة فى المجتمعات من غض البصر وعدم خفض الصوت لدرجة الميوعة أو إثارة الشهوة والإلتزام بالملابس المحتشمة للنساء والرجال معاً كما يقول ديننا الإسلامي الحنيف.
وانتقدت تهاون الآباء والأمهات في عملية التربية ما بين إنشغال الأب بتدبير النفقات المالية لمواجهة ظروف المعيشة والأم بتدبير احتياجات المنزل، مشددة على أن التربية السليمة وتنشئة الأبناء على الالتزام بجوهر الدين لا شكله فقط هي الأساس لمعالجة الظاهرة لأنه لن نجد شاباً متديناً يتحرش، أو فتاة متدينة غير محتشمة أو رجل متدين لا يدافع عن امرأة يتحرش بها بالشارع أو بالمواصلات وينهر المتحرش بها. وتطالب صالح بأن تطبق الحدود الشرعية على من يضبط بممارسة التحرش أو هتك العرض وعلناً حتى يكون ذلك رادعاً لغيره، مؤكدة أن الابتعاد عن أحكام الأسلام وشريعته يفسح المجال لتفشي مثل هذه الظواهر السلبية بالمجتمع.
ومن جانبها، توضح المنسقة لحملة ـ«شارع أمان للجميع» والناشطة الحقوقية بمركز قضايا المرأة إنجي غزلان أن بداية تبني المركز لقضية التحرش وحملة «شارع أمان للجميع» تعود لثلاث سنوات عندما تلقى المركز عدداً كبيراً من الشكاوى من السيدات يطلبن ويبحثن عن أشكال المساعدة القانونية لمواجهة التحرش بهن فى أماكن العمل والمواصلات. وقالت إن المركز عكف على دراسة القضية وإخراج سلسلة من الكتيبات والدراسات الخاصة بتوعية المرأة وكيفية التعامل وطبيعة الإجراءات القانونية التي عليها القيام بها لمواجهة التحرش.
وأكدت غزلان أن الأثر السلبي لتلك الظاهرة لم يعد قاصرا على الناحية الاجتماعية فقط بل على الوضع الإقتصادي، لافتة إلى أنه نتيجة تعرض العديد من السائحات للتحرش فإن الكثير منهن بتن ينصحن أقرانهن بعدم الذهاب لمصر، وقامت شركات سياحة وسفارات بالتنبيه على رعاياها بعدم زيارة مصر لهذا السبب، وبالتالي فهناك خسارة اقتصادية في الدخل القومي والعملة الصعبة تقع نتيجة التحرش، ولذا تنبهت وزارة السياحة لهذا الخطر وبدأت في المعالجة عبر التوعية الإعلامية.
إضاءة
تلفت أبو شهبة الانتباه إلى أن بعض الشباب بات يستغل ذلك الموروث الثقافي في المجتمع إلى جانب غياب الوجود الأمني ويسير فى حلقات لإرهاب الفتيات سواء باستخدام أسلحة بيضاء من مديات وسلاسل معدنية غليظة أو أسلاك أو باستخدام كلاب كبيرة الحجم بغرض التحرش بهن.
