مسارعة الرئيس الأميركي المنتخب، باراك أوباما، إلى تعيين فريقه المالي ـ الاقتصادي؛ قبل اختياره لفريقي الدفاع والخارجية، في وقت متورطة فيه أميركا بحربين في الخارج؛ تنطوي على أكثر من إشارة. فهي إذ تعكس مدى تسليمه بخطورة «الأزمة المالية» الراهنة وما تتطلبه من إجراءات نوعية مستعجلة؛ فإنها في ذات الوقت تعكس إدراكه لمدى ارتباط مصير رئاسته بها.
لذلك ومن دون خسارة وقت وبعد عشرين يوماً على انتخابه، حسم هذا الجانب؛ بحيث تكون الرسالة واضحة: لا أولوية تتقدّم على مواجهة مسلسل الانهيارات الداخلية التي ورثها. السؤال: هل يعني ذلك أن الانتقال إلى جبهة الملفات الخارجية صار مشروطاً بوقف النزف الداخلي؛ لاسيما وأن الرئيس المنتخب حذّر أكثر من مرة بأن تصحيح الوضع قد يأخذ سنوات؟
في ضوء التركة المعروفة، ما كان بإمكان أوباما اللجوء إلى ترتيب آخر لأولوياته. العاجل قبل المهم. لكن ليس بصورة ميكانيكية، بحيث يكون الأول معطّلاً للثاني. خاصة وأن التخلص من ركام الانهيارات المالية، يلزمه وقت مديد؛ وأن الأجندة الخارجية مزدحمة بالبنود الضاغطة.
ثم أن مشروعه للإنقاذ المالي ـ الاقتصادي، لم يظهر منه بعد، سوى ما لا يمثل أكثر من إسعاف أولي، لحالة تتطلب عملية جراحية من عيار غير مسبوق. وحتى مشروعه الإسعافي، غير مضمونة نتائجه؛ في ضوء التعقيدات التي بلغتها الأزمة، حسب ما يرى الكثير من المراقبين والخبراء.
فهو يقترح «خطة تحفيز»، تتراوح قيمتها بين 500 إلى 700 مليار دولار؛ تهدف إلى توفير مليونين ونصف فرصة عمل؛ في عدة قطاعات. تنشيط الاقتصاد بهذه الصورة، يرمي إلى اجتناب الوقوع في حالة ركود، قد يتطور إلى كساد كبير؛ على غرار ما حصل في ثلاثينات القرن الماضي.
العطب هنا، أيضاً حسب الخبراء، أن التمويل سيكون عن طريق الاستدانة من الخارج ـ بيع سندات خزينة ـ ، في وقت بلغت فيه الديون العامة أكثر من 11 تريليون دولار؛ ووصل فيه عجز الموازنة هذا العام إلى تريليون دولار، مرجّح أن يتكرر في العام القادم. وضع صار أسير الاقتراض وبما يزيد عن القدرة.
للتسديد لا بدّ من زيادة الضرائب، في ظلّ حالة لا تحتمل؛ وبالتالي لن يكون من اليسير دفع الركود واستئناف دورة النمو الاقتصادي. الأمر الذي يدفع باتجاه العودة من جديد إلى توسيع ولو تدريجي، لعملية الإقراض؛ وما تنطوي عليه من خطر الوقوع مرة أخرى، في الدوامة ذاتها. الواضح، حتى الآن، أمران: أن حديث الرئيس المنتخب عن التحفيز، أرسل إشارة مشجعة للأسواق. غير أنها مؤقتة، بحكم هشاشة هذه الأخيرة في الوقت الراهن؛ كما بحكم أنه ما زال أمامه حوالي شهرين لتسلّم زمام الأمور.
الأمر الثاني، أن أوباما لا يملك مشروع التغيير الجذري المطلوب، للنظام المالي. لا الطاقم الاقتصادي الذي اختاره والذي ينتمي إلى المدرسة التقليدية ـ الإصلاحية؛ يوحي بذلك. ولا هو سبق له أن أعطى إشارات، حتى بالتلميح، حول موقفه من طروحات التغيير التي يتداولها الأوروبيون؛ ناهيك ببلدان وازنة أخرى كالصين والبرازيل والهند وغيرها.
يلوذ بالصمت في هذا الخصوص. قبل قمة العشرين، المقرر عقدها في الثلاثين من ابريل القادم؛ لن تتضح سياسته بشكل قاطع، في هذا الموضوع؛ مع أنه ليس من المتوقع تجاوبه مع المطالبات بتجاوز «بريتون وودز». خطابه يشدّد على الحلول والمخارج، للتعامل مع تداعيات الانفجار المالي. وليس مع منابعه.
مشكلته الأخرى، أن الحرائق التي يتركها بوش وراءه، ليست من الصنف الغني بفائض الوقت. كلها لها صفة الاستعجال.
من العراق إلى افغانستان المحتدمة ساحتها، مروراً بروسيا التي تتوالى تحذيراتها إلى الرئيس الجديد كي لا يقتفي أثر سلفه؛ وانتهاء بالملف الفلسطيني، الذي يبدو أنه مدار خلاف وصراع بين بعض لفيفه وبين المقربين منه، أمثال الجنرال سكاوكروفت وزبغنيو بريجنسكي، اللذين نصحاه بإعطاء الأولوية الخارجية لهذا الملف.
لا أحد يحسد أوباما على ما في طبقه الرئاسي. لكن لا أحد يتسامح معه، في ضوء التفويض الذي ناله والتأييد الذي حظى به، إذا ما اكتفى بإدارة الأزمة.
