من الجيد أن يعلن الرئيس الأميركي المنتخب باراك اوباما نيته إغلاق معسكر غوانتانامو. ومن أجل ذلك رحبت منظمة هيومان رايتس ووتش وغيرها من المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، لكنها اعتبرت أن الإغلاق وحده لا يكفي، ودعت إلى إجراء تحقيق شامل بشأن عمليات التعذيب التي جرت بحق المعتقلين، وإلى محاسبة مرتكبيه ومعاقبة من يدان.
ما طلبته منظمة هيومان رايتس ووتش، وهي منظمة أميركية، يمثل اختبارا حقيقيا لمدى التزام أوباما بتعهداته في اطار شعار التغيير الذي رفعه خلال حملته الانتخابية، ولمدى قدرته على تحدي ديناصورات المنظومة الأميركية المتمثلة هنا في مؤسستي البنتاجون والسي أي ايه.
فأي تحقيق من هذا النوع سوف يطال هاتين المؤسستين، بل أيديولوجيتيهما واستراتيحيتيهما في ما يقال إنه محاربة الإرهاب. كما تحتاج المحاسبة الي نشر المحاضر الخاصة بالاستجوابات والمحاكمات، كذلك أيضا نشر الوثائق السرية الخاصة بجرائم الدول التي تعاونت مع واشنطن في تعذيب المعتقلين، وهو ما يعني فضح الكثير من الأفراد والأجهزة والدول، ليأتي دور المحكمة الجنائية الدولية الى جانب المحاكم الأميركية والأوروبية وربما العربية.
وليس هذا فقط مغزى الدعوة الى المحاسبة، لأنها تعني أيضا نسف المنظومة القانونية التي شرعنت وجود غوانتانامو، وشرعنت أيضا عمليات التعذيب التي تمت بداخله. وتتمثل هذه المنظومة في القوانين التي صدرت لصالح البنتاغون والسي أي أيه، والتي منحتهما الحق في ممارسة الضغوط النفسية والجسدية وبالأدق ممارسة التعذيب بحق المتهمين الذين يتم استجوابهم. لأن بقاء هذه المنظومة القانونية معناه اسدال الحماية على مرتكبي جرائم التعذيب أمس وغدا.
ويعني أيضا امكانية تكرار كل تلك الجرائم مستقبلا. كما يعني أيضا استمرار المعتقلات الاميركية السرية المنتشرة في كثير من دول العالم، ومواصلة بعض الدول عملها كوسطاء استجواب وتعذيب لحساب الولايات المتحدة الأميركية. ومن هذه الدول بالطبع دول عربية.
لقد اثبتت السنوات الماضية ان معسكر غوانتانامو ليس معسكر احتجاز واستجواب وتعذيب فقط، ولكنه يمثل رمزا لحالة عالمية من التواطؤ لانتهاك حقوق الانسان. فقد فتحت ممارسات الولايات المتحدة في هذا المعسكر المجال أمام الدول الاستبدادية البوليسية لارتكاب جرائم التعذيب وانتهاك الحقوق والحريات العامة على التراب الوطني، من دون اي خوف من المساءلة أو العقاب الدولي، حتى غدا التعذيب حالة شائعة في تلك الدول.
هنا تكمن أهمية استجابة الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما لمطلب التحقيق في الجرائم التي جرت في غوانتانامو، لأن التحقيق يعني نفض اليد وتبرئة الذمة تماما مما جري بحق الانسانية في ذلك المعسكر اللعين، وكذلك يعني فتح الباب أمام العدالة العالمية لمحاسبة المتسببين في تلك الجرائم، الى جانب فضح الأدوار التي قامت بها أطراف دولية في مجال انتهاك حقوق الإنسان عالميا مجاملة للولايات المتحدة.
نحن هنا في مجال تصحيح أخطاء وقعت. والتصحيح على مستوى الدول يستوجب المحاسبة القاسية. وكل ذلك يستلزم الشفافية والوضوح والصدق التام. ويستلزم أيضا التعهد عالميا بعدم تكرار ذلك مستقبلا من جانب الولايات المتحدة وأذنابها الدوليين.
كل هذه التداخلات تجعل موقف أوباما شديد الوعورة، بل تغل يده عن الرغبة في معالجة جرائم غوانتانامو بصدق. ومن ثم فليس منتظرا منه سوى قرار يتيم يغلق غوانتانامو كوبا وإعادة افتتاحه داخل الأراضي الأميركية على طريقة حكام دول العالم الثالث، الذين يقولون الشيء ويفعلون نقيضه.
وهذا فقط جانب واحد يجعلنا لا نثق كثيرا في ما قاله أوباما في حملته الانتخابية. فتلك حدود قوته الرئاسية، وتلك أيضا حدوده للتحرك. فالتغيير لن يكون إلا في أضيق الحدود في الداخل الأميركي أو فيما وراء الحدود، ومنها المنطقة العربية.
