الانزعاج الأوروبي، عموماً، من ركوب واشنطن لرأسها ومن تفردها، في الساحة الدولية؛ طلع في السنوات الأخيرة إلى العلن. وفي حالات معينة، تحوّل إلى موقف معارض. من تجلياته، كان الاعتراض الأوروبي الوازن، على غزو العراق. كما على المعاندة الأميركية بخصوص قضايا البيئة والاتفاقيات الجديدة والقديمة، بشأنها.
وفي الوقت الراهن يتجلّى هذا الموقف، في المقاربة الأوروبية المختلفة؛ للأزمة المالية العاصفة وكيفية التصدّي لها. في كل مرة كانت واشنطن، تبادر في إعلان سياستها، ثم تطلب من حلفائها اللحاق بها وتبنّي خطّها؛ بكل ما ينطوي عليه ذلك من تبعية مكلفة ومحرجة.
كلفة كانت عالية، في زمن بوش. ألان وقبل الدخول في مرحلة اوباما، سارع الأوروبيون إلى اخذ المبادرة وتبديل قواعد اللعبة. بدل انتظار الرئيس المنتخب ليبدأ عهده ويحدّد سياساته، ثم التفاهم معه حولها؛ رفعوا إليه قائمة توصيات؛ هي في الواقع إبلاغ غير مباشر بالتوجهات الأوروبية المفضّلة، حيال أبرز الملفات الدولية الساخنة.
فقد ذكرت مجلة دير شبيغل الألمانية، بأن وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي قاموا بإعداد «خريطة طريق»، يزمعون تسليمها إلى فريق المنتخب. وقد تضمنت مقترحات للتعاون معه في عدة قضايا دولية معقدة؛ من «الصراع في الشرق الأوسط، إلى أوضاع أفغانستان وباكستان».
كما أعرب الأوروبيون عن الحاجة إلى «تغيير النظام المالي العالمي وإصلاح الأمم المتحدة ومجموعة دول الثماني» ـ بحيث يتم توسيعها ـ ؛ مع التشديد على أهمية اعتماد طريق «التعاون وليس المواجهة ''، في التعامل الدولي. وتؤكّد «الخريطة» على الرغبة الأوروبية في التنسيق مع إدارته على صعيد «دعم الحوار مع سوريا والنهوض بدور فوري في العراق»؛ فضلاً عن تحذيرهم من «محاولات عزل موسكو» وتأييد توسيع التعاون معها.
«الخريطة الأوروبية»، التي توجه، لأول مرة، بهذه الصورة إلى رئيس أميركي منتخب عشية تسلّمه لمهامه؛ تحمل إدانة وتحذير. الإدانة موجهة غير مباشرة لرئاسة بوش ومغامراتها. كل ما احتوته من مقترحات ودعوات وما يشبه التوصيات،يقف على نقيض سياساتها وممارساتها الخارجية؛ من الشرق الأوسط إلى أوروبا؛ مروراً بالنظام المالي.
الغمز من زاوية الإدارة المنصرفة واضح، في الإشارة إلى الملفات الدولية الساخنة وحثّ الرئيس الجديد على التعاطي معها بمقاربات مختلفة. كما كان واضحاً، عند التشديد على ضرورة العمل بمبدأ «التعاون».
وذلك في إشارة لا تخطئ إلى تفرد سلفه. الوجه الآخر لهذه «الخريطة» ـ الرسالة، ينطوي على ما يشبه تحذير الرئيس الجديد، من الاستمرارية؛ ولو بصورة مموهة. خسائر النهج البوشي كانت فادحة، من كافة الجوانب . خاصة العسكرية والمالية. وبالتالي فإن أوروبا ليست على استعداد لتحمل المزيد من هذه الفاتورة الباهظة.
ربما أراد الأوروبيون وضع الرئيس المنتخب، مسبقاً، في الصورة؛ لجهة أنهم، من الآن وصاعداً، يريدون من واشنطن؛ التعامل معهم كشريك. مرحلة جورج بوش ومصائبها انتهت. ومعها انتهى دور أوروبا التابع لواشنطن. وربما أيضاً، أرادوا اغتنام فرصة انهماك الإدارة القادمة في صياغة وبلورة سياستها الخارجية؛ لترك بصمات أوروبية عليها.
لكن كيفما كان الحال، ما طرحته «الخريطة»، نصيحة مبكرة إلى وريث تركة مثقلة بمعضلات، من النوع الذي لا تستوي معالجته بأقل من مغادرة ـ إذا لم يكن انقلابا ـ للنهج الذي انتهجه. المدخل يكمن في أن تتخلى أميركا عن نهج الهيمنة واستبداله بسياسة المشاركة والتحاور. أوباما، جعل من التغيير شعاره الانتخابي. حتى الآن، حدود هذا الشعار ليست واضحة. ومن الملاحظ أن نبرة التغيير فقدت الزخم في خطاب ما بعد الفوز.
قد يكون انشغاله في تركيب إدارته، تسبّب في ذلك؛ وبالتالي ما زال من المبكر الحكم على توجهات إدارته. غير أن التعيينات التي اعتمدها، على محدوديتها حتى اللحظة، تنطوي على مؤشرات تدعو إلى التحفظ؛ في أحسن الحالات.
ليس فقط لأنه سارع إلى الاستعانة، بوجوه لا تدعو إلى الاطمئنان، مثل رام ايمانيويل ، الذي أسند إليه منصباً بالغ الأهمية؛ بل أيضاً لأنه يستعين بالصف التقليدي، بصورة طاغية. يكاد يستدعي معظم أركان وطواقم إدارة الرئيس كلينتون، لتسلّم مناصب في إدارته. ليس في ذلك ما يبرّر، بحدّ ذاته، التشكيك. ولكن تحقيق التغيير يستلزم دماء جديدة.
