وسط حالة من الإحباط والتخبط على جميع الأصعدة والمستويات الاقتصادية والمالية تنتظر كافة دول العالم ما ستؤول إليه الأوضاع بعد قمة أسواق المال والاقتصاد العالمي والتي أقيمت أوائل الأسبوع الجاري في العاصمة الأميركية واشنطن في محاولة يائسة لحل الازمة المالية الدولية بمشاركة قادة دول وحكومات مجموعة العشرين.
وقد استهدفت القمة بحث سبل مواجهة الأزمة الحالية في أسواق المال العالمية ودعم الوضع الاقتصادي الدولي في جهد يعمل على تحقيق الاستقرار في أداء الاقتصاد العالمي في ظل بيئة اقتصادية عالمية محفزة على النمو وخالية من الأزمات. وقد تركزت فعاليات القمة حول تداعيات الأزمة المالية العالمية التي ألقت بظلالها على جميع اقتصادات العالم دون استثناء وشل على أثرها النظام المصرفي العالمي بسبب افتقاد الثقة الناتج عن سوء استغلال لحرية السوق.
خطة عمل للحل
واتفقت مجموعة العشرين على ضرورة إعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي وإعطاء دور أكبر للاقتصادات الناشئة للمساهمة في ترتيب الاقتصاد العالمي، و تبني خطة عمل وسلسلة ينبغي انجازها قبل مارس العام القادم. كما اتفق المجتمعون على ضرورة أن يتم إعادة بناء صندوق النقد الدولي وإعطاء تمثيل أكثر لاقتصادات الدول الناشئة في إدارة الصندوق الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية في ظل حقيقة سوء الوضع الحالي الذي وصلت إليه الأزمة المالية .
والذي مثل تحديا كبيرا لجميع قادة الدول المشاركة في اجتماع واشنطن خصوصا الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأميركية التي أشعلت فتيل الأزمة، وأوروبا التي زادت من سعيرها، مما يرتب عليهما مسؤولية كبيرة للإذعان لمطالبات الاقتصادات الناشئة بضرورة إعادة ترتيب النظام المالي العالمي بفرض مزيد من القيود على النشاطات الاستثمارية.
وفي هذا الخصوص فإن من بين النشاطات التي تتطلب قدرا كبيرا من الضبط نشاط صناديق التحوط التي تتجاوز الـ 8000 صندوق في الولايات المتحدة وحدها وتتميز بدرجة عالية من الحرية في إدارة استثماراتها. وهنا دعا المسؤولون الأميركيون إلى المناداة بألا تكون هذه الأزمة ذريعة للحد من حرية الأسواق، مع التأكيد على أنه ينبغي وضع خط فاصل بين ما يمكن تعريفه على أنه حرية أو عبث بقوى السوق التي يقوم بها المضاربون في صناديق التحوط.
تخبط مثير للتساؤل
من بين الملاحظات الأساسية على تشكيل الوفود المشاركة في القمة تلك المتعلقة بطبيعة المشاركة الأوروبية ففي موقف يعكس التخبط الأوروبي في مواجهة الأزمة المالية والنقدية العالمية شارك الاتحاد الأوروبي في أعمال القمة ممثلا من قبل سبع هيئات ودول.
ورغم اتفاق القادة الأوروبيين الذين عقدوا قمة استثنائية في بروكسل يوم السابع من شهر نوفمبر الحالي على نص إعلان مشترك يؤكد على توجههم بشكل موحد لقمة مجموعة العشرين، فإن خلافات فعلية بقيت قائمة بين الدول الأوروبية بشأن معاينة الأزمة النقدية والمالية وسبل احتوائها. وتجلت الخلافات الأوروبية بشكل واضح بشأن الجهات أو الأطراف الأوروبية التى يحق لها المشاركة فى قمة مجموعة العشرين.
السؤال الذي يدور في ذهن المحللين وخبراء الاقتصاد وصانعي السياسة الاقتصادية: هل انتهت أسوأ فصول الأزمة المالية العالمية أم أنها بدأت للتو؟ مهما طرح من إجابات أو محاولات للإجابة عن هذا التساؤل فلن تكون أكثر دقة من الأحداث اليومية التي تشهدها الأسواق العالمية.
لقد كان الأسبوعان الماضيان قاسيين على مختلف الأسواق العالمية ومن ضمنها الأسواق العريية في ظل تزايد المخاوف من امتداد جذور الأزمة لهذه الاقتصادات التي استمتعت خلال السنوات الست الأخيرة بحلاوة ارتفاع أسعار النفط، وهاهي أسعار النفط تتهاوى من قمتها 150 دولارا للبرميل التي بلغتها خلال الصيف الماضي إلى 50 دولاراً للبرميل.
في الوقت ذاته ما زالت الولايات المتحدة ذاتها تئن بشدة من آلام الأزمة حيث أعلن عملاق التمويل الإسكاني فاني ماي - والذي عمل لمدة تجاوزت السبعين عاما على صناعة سوق التمويل الإسكاني عن خسائر قدرت بـ 29 مليار دولار عن الربع الثالث من هذا العام.
مما يتوقع أن يستدعي تدخلا من وزارة الخزانة الأميركية باستخدام جزء من الـ 100 مليار دولار التي فوضها الكونغرس باستخدامها الصيف الماضي لدعم المؤسستين الإسكانيتين فاني ماي وفريدي ماك عند الحاجة إلى ذلك. السؤال المحير ما عمق تأثير هذه الخسائر في قطاع التمويل الإسكاني وكيف سيتأثر قطاع الائتمان المصرفي المشلول بهذه الخسائر المتزايدة يوم بعد يوم.
تحولات جذرية
تحول آخر شهدته الساحة المالية العالمية بتحول مؤسسة البطاقات الائتمانية أميركان إكسبريس إلى بنك ليتمكن على هذا الأساس من الحصول على تمويل من أموال دافعي الضرائب التي يوفرها الاحتياطي الفيدرالي.
وفي هذا تتبع «أميركان إكسبريس» العريقة كلا من مورجان ستانلي وجي بي مورجان في عملية التحول تلك التي مثلت إعلان لإعادة تشكيل فعلية للنظام المالي الأمريكي. وبالطبع فإن هذا التحول لن يمر دون مقابل ولكن سيترتب عليه إلزام هذه المؤسسات المالية بالالتزام بقواعد وقوانين أكثر تشدداً حماية لأموال المودعين.
فضلا عما سبق، فإنه رغم أن الأزمة طالت في البدء المؤسسات المالية، إلا أنها لم تقتصر على هذا المستوى فقط حيث تمد لهيبها إلى الشركات الكبرى كجنرال موتورز وجنرال إليكترك وغيرها من الشركات الصناعية، حيث أعلنت شركة جنرال موتورز أنها تواجه صعوبة كبيرة في الوفاء ببعض ديونها التي تشك في تحصيلها بما يمكنها من مساعدتها على تجاوز مشاكلها المالية.
ويمثل ذلك معضلة بالنسبة لمقرري السياسة الاقتصادية الأميركية إذ إن توفير التمويل لمثل هذه الشركات يمثل خرقاً لأنظمة البنوك المركزية التي توفر التمويل من خلال نوافذها مع الأخذ في الاعتبار تحديد معدلات المخاطر لاستثمارات المؤسسات المقترضة التي تكون عادة بنوكا تجارية.
ولعل ذلك ما دفع بالكثيرين إلى التأكيد على فرادة الأزمة المالية الدولية وسط انتظار ولهفة لما ستؤول اليه قمة العشرين التي أثارت قدرا كبيرا من خيبة الأمل في ضوء ما يشير إليه البعض من أن الطريقة الحالية للتعاطي مع الأزمة النقدية لا تزال خاطئة حيث إنها فيما تهدف إلى تجنب تسجيل أزمة جديدة فإنه لم يتم وضع أى خطط لاحتواء تداعيات الأزمة الحالية نفسها.
كما ان أسلوب تكرر القمم والاجتماعات دون الاتفاق على خطط عملية واضحة لحفز النمو الاقتصادي بات يثير تساؤلات الأسواق والمتعاملين. ويبدو بوضوح وفى غياب بلورة خطة للدفع بالنمو الاقتصادي أنه توجد مخاوف من أن الاتحاد الأوروبي سيضطر إلى القبول بما ستفرضه الإدارة الأميركية الجديدة من خطط لإنعاش الاقتصاد الأميركي أولا والتلويح بالارتباط العضوي لسير المؤسسات الصناعية والتجارية بالسوق الأميركية مما سيضطر الأوروبيين إلى الاستمرار فى تمويل العجز الأميركي أولا وإلى التغافل عن سياسة الدولار الضعيف.
توجهات اوباما الواعدة
ومع ذلك، فإن الحفاظ على إطار «مجموعة ال7» في ظل أزمة النظام المالي والركود اللذين تواجههما الولايات المتحدة والبلدان المتطورة الأخرى، غير واعد. كما سيحل في القريب محل الإدارة الجمهورية المحافظة في الولايات المتحدة، التي أوغلت أميركا في الأزمة فريق الديمقراطيين برئاسة الرئيس المنتخب باراك أوباما الذي يطرح إن أمكن القول خطط ثورية على هذا الصعيد.
وقد حدد أوباما في مؤتمره الصحافي الأول بصفته الجديدة، في السابع من نوفمبر، أبعاد برنامجه الاقتصادي الذي يتطابق في الغالب مع الأفكار التي طرحت في لقاء مجموعة ال20 في البرازيل.
فمن ناحية فإنه لا تروق له الخطة الاستثنائية لمعالجة الأزمة التي اقترحها ألاالرئيس الأميركي جورج بوش الموشك على التخلي عن صلاحياته حول اعتماد مبلغ 700 مليار دولار لدعم القطاع المالي في الولايات المتحدة. وإذا لمألا تصدر الإدارة الراحلة خلال الفترة المتبقية لها خطة ثانية لمعالجة الأزمة فإن أوباما وعد بالقيام بهذا في أقرب وقت بعد تسلمه ألامهام الرئاسة في 20 يناير من السنة القادم، 2009.
ويعكف فريق خبراء أوباما الاقتصاديين على إعداد برنامج إصلاحات اجتماعية واقتصادية هائل جدا يتجاوز المساعدات الاستثنائية. وينوي الديمقراطيون بقيادته استغلال أزمة النظام المالي في الولايات المتحدة كفرصة تاريخية للقيام باستثمارات بنيوية واسعة جدا. وقد حددت الاتجاهات الأساسية للإصلاحات قطاع الطاقة والصحة ونظام التعليم.
وفي ذلك وعد الرئيس الجديد قطاع بناء السيارات الأميركي بمساعدات ملموسة. وتستهدف التحولات المرتقبة في الولايات المتحدة بصورة أساسية، دعم الطبقة الوسطى الأميركية في زمن المحنة. وإذا كان العالم أجمع ترقب القرارات التي ستتمخض عن اجتماع مجموعة العشرين فإنها لم تأت بما يشبع نهمه حيث إن الحلول التي تم طرحها غير جذرية أو وافية للتعامل مع الأزمة المالية العالمية الحالية التي عصفت بالمقدرات المالية لعدد كبير من أسواق المال العالمية.
كما أن العالم تطلع إلى خروج المجتمعين بقرارات تعيد التوازن الاقتصادي لدول العالم بالعدالة والتوازن المطلوبين بين الدول الصناعية الكبرى واقتصادات الدول النامية والناشئة، بحيث يكون للدول الأخيرة دور بارز وملحوظ في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية العالمية، بما في ذلك النظام المالي بالشكل الذي يوفر مزيدا من الرقابة على التعاملات المالية التي تتم داخل الأسواق المالية على مستوى العالم.
يشار إلى أن الدول التي تضمها المجموعة تشمل الأرجنتين واستراليا والبرازيل وبريطانيا وألمانيا والهند وإندونيسيا وإيطاليا وكندا والصين والمكسيك وروسيا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وتركيا وفرنسا وجمهورية جنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية واليابان، وكذلك الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية الكبري.
إضاءة
مجموعة العشرين تأسست في العاصمة الألمانية برلين عام 1999، في أعقاب الأزمة المالية التي ضربت دول شرق آسيا في النصف الثاني من التسعينات الميلادية، التي يتألف أعضاؤها من مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى: الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، المملكة المتحدة، وكندا.
فضلا عن مجموعة دول أخرى هي: «البرازيل روسيا الهند والصين» والأرجنتين، إندونيسيا، المكسيك، المملكة، جنوب إفريقيا، أستراليا، تركيا، كوريا الجنوبية، والاتحاد الأوربي ممثلا برئاسة المجلس الدوري والبنك المركزي الأوروبي، مع مشاركة كل من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.
د. معمر الفار


