مثل باراك أوباما وفوزه بالرئاسة الأميركية هزيمة للمحافظين الجدد الذين هيمنوا على سياسات إدارة الرئيس جورج بوش خلال السنوات الثماني الماضية، وكان هزيمة لأيديولوجيتهم، ولثقافة الحرب التي روَّجوا لها وأشعلوها في أكثر من مكان، وهزيمة لخطتهم التي وضعوها لتشكيل منطقة الشرق الأوسط الكبير، انطلاقاً مما سمّوه «الفوضى البنَّاءة».

كما كان نصره استفتاء على تلك الأيديولوجية والسياسات، وعلى شعار التغيير الذي رفعه أوباما في حملته الانتخابية، وكان من أبرز أسباب النصر التاريخي الذي حققه، وعبَّر فيه الأميركيون عن رغبة كاسحة في التغيير الذي يريدونه على سياسات بلادهم الداخلية والخارجية. والتغيير في نهج تعامل الولايات المتحدة مع العالم الخارجي وقضاياه التي سيكون في مقدمتها قضايا منطقة الشرق الأوسط.

ولم يُضيع الرئيس أوباما وقتاً. ففي خطابه أمام عشرات الآلاف من مؤيديه فور فوزه بالرئاسة قال: «إن فجر التغيير قد بدأ». وبدأ فريق مستشاريه المشرف على المرحلة الانتقالية وعلى تشكيل فريق الإدارة الجديدة، عملية مراجعة جذرية شاملة للسياسات الأميركية، استعداداً لوضع سياسات جديدة، تعبِّر عن المرحلة الجديدة التي بدأت بفوز أوباما. وفي هذا الإطار، بدأت عملية مراجعة لخطط وعمل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون).

وكذلك عملية مراجعة لخطط وعمل وزارة الخارجية. إعداداً لوضع سياسة خارجية ودفاعية جديدتين. وفي أجواء التغيير هذه، ينشط مسؤولون كبار عملوا في إدارات سابقة في تقديم النصح والمشورة والخطط للرئيس الجديد، لإصلاح ما ألحقته سياسات إدارة بوش من أضرار بالولايات المتحدة ومصالحها وصورتها.

ومن أبرزهم زبيغنيو بريجينسكي، الذي عمل مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر، والجنرال برينت سكوكروفت الذي عمل أيضاً مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش (الأب).

كما تنشط معاهد ومراكز الأبحاث والدراسات في واشنطن، وهي الحافلة بالخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات والتخصصات وفي كل ما يتعلق بقضايا العالم ومنها قضايا منطقة الشرق الأوسط فأخذت تضع الدراسات التحليلية، والتقييم لسياسات الإدارة الراهنة، وتقدم التوصيات والخطط التي يعتقد واضعوها أنها مفيدة للرئيس الجديد وإدارته، وغالباً ما تأخذ الإدارات الأميركية بالكثير منها.

ولعل الدليل على ذلك أن جون بوديستا الذي اختاره أوباما للمشاركة في الإشراف على الفريق الانتقالي لإدارته يرأس حالياً «مركز التقدم الأميركي» بواشنطن، كما أن سوزان رايس التي تشارك أيضاً مع بوديستا في الإشراف على الفريق الانتقالي تعمل في «معهد بروكينغز» وغيرهما الكثير من مستشاري أوباما الذين يعملون في مراكز الأبحاث والدراسات.

ومما يذكر في هذا الخصوص. أن المعهدين السابقين، سيكون لهما دور في تزويد الإدارة المقبلة بالنصح والمشورة، كما كان الحال مع «مؤسسة هيرتيج» و«أميركان إنتربرايز» اللتين كانتا المصدر الأساسي لتزويد إدارة بوش بالنصح والمشورة في قضايا السياسة الخارجية خصوصاً، وهما من معاقل المحافظين الجدد في واشنطن.

حالة ترقب

ومنذ فوزه بالرئاسة، بدأ الأميركيون والعالم، ومنه منطقة الشرق الأوسط تترقب التغيير المنتظر وتوجهاته وأبعاده، وما يعده من خطط للتعامل مع قضايا العالم وتحدياته ومعالجتها، ومن الأسئلة الكثيرة المطروحة في أوساط واشنطن وعواصم منطقة الشرق الأوسط، وغيرها من العواصم المعنية بشؤون المنطقة، هو ما الذي تنتظره المنطقة وقضاياها من الرئيس الأميركي الجديد أوباما وإدارته وما الخطط المتوقعة لها؟

الواضح منذ الآن، وقبل أن يتسلم الرئيس المنتخب مقاليد الرئاسة في العشرين من يناير المقبل، أن مرحلة جديدة بدأت على صعيد السياسة الخارجية الأميركية، مختلفة عن تلك التي شهدتها السنوات الثماني الماضية (رئاسة الرئيس بوش). يؤكد ذلك ما صدر عن الرئيس المنتخب من مواقف تجاه قضايا المنطقة، وتوصيات الخبراء والدراسات التي صدرت في هذا الشأن.

وما صدر حتى الآن عن عدد من كبار مستشاري أوباما، وفي مقدمتهم بريجنسكي، الذي سيكون كبير مستشاري أوباما، وان لم يعين في منصب رسمي، ووزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، التي انتدبها أوباما لتمثله في قمة الدول العشرين التي انعقدت في واشنطن السبت الماضي لمعالجة الأزمة المالية والاقتصادية التي يشهدها العالم.

وسيشمل التغيير الذي تؤكده أيضاً توصيات مسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية، الأساليب والنهج الذي اتبعته إدارة الرئيس بوش في تعاملها مع قضايا الشرق الأوسط، باستثناء قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، التي لن تشهد تغييراً جوهرياً.

مرحلة ما بعد العراق

ويرى واضعو استراتيجية الإدارة المقبلة للعراق أن على الولايات المتحدة أن تتحرك نحو مرحلة ما بعد العراق، وأن تهتم بقضايا منطقة الشرق الأوسط بشكل واسع. ويرون أيضاً أنه لا حل عسكرياً في العراق، وأن وضع نهاية للحرب في العراق، التي عارض أوباما منذ البداية شنها.

وصوت ضد قرار الحرب في مجلس الشيوخ الأميركي، أم يحتل أولوية كبيرة عند الرئيس الجديد، «ولابد من وضع نهاية لها، لما سيترتب على ذلك من فوائد، منها توفير ما يقارب من عشرة مليارات دولار تصرف شهرياً على الحرب في العراق. وهذا سيساهم ويساند في حل الأزمة المالية».

وفي نطاق الاستراتيجية للعراق، تأييد مؤتمر تقوده الأمم المتحدة لتحقيق المصالحة الوطنية هناك والتوصل إلى تسوية بخصوص الفيدرالية واقتسام عائدات النفط، كما أن الرئيس المنتخب سينشئ «مجموعة عمل دولية» لحل أزمة اللاجئين العراقيين، وتتضمن الخطة الاستراتيجية الجديدة للعراق. رفض إقامة قواعد عسكرية أميركية دائمة في العراق.

وفيما يتعلق بإيران وأزمة برنامجها النووي، يرى مستشارو أوباما وفي مقدمتهم بريجنسكي، الذين يعكفون على وضع سياسة الإدارة الجديدة نحو إيران، أن الخطة نحو إيران تنطلق من التحرك بسرعة وبدء حوار مع إيران، وفي إطاره يمكن عرض إمكانية عقد اجتماع مع القيادة الإيرانية، بعد اجتماعات مثمرة على مستوى أقل تكون تمهيدية للاجتماع على مستوى القيادة.

وتنص الخطة على «أن حصول إيران على السلاح النووي أمر غير مقبول» وهو ما أكده أوباما في أول مؤتمر صحافي له، بعد يومين من فوزه بالرئاسة. والتشديد على دعم العقوبات الاقتصادية على إيران لتتوقف عن تخصيب اليورانيوم.

أما قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فستظل أساس عدم الاستقرار في المنطقة، اذا لم يتم التوصل إلى حل عادل وشامل لها. وهذا ما تعتزم إدارة الرئيس أوباما إعطاءه أولوية منذ الأسابيع الأولى لرئاسته، بعد الدرس المستفاد من إهمال الرئيس بوش وإدارته لهذه القضية خلال السنوات السبع الأولى من رئاسته، والنظر إليها في آخر عام من رئاسته، وهو ما لم يؤد إلى نتيجة أو تقدم حتى الآن.

إضاءة

يبدو من الآن وقبل أن يتسلم الرئيس المنتخب مقاليد الرئاسة 20 يناير المقبل أن مرحلة جديدة بدأت على صعيد السياسة الخارجية الأميركية مختلفة عن تلك التي شهدتها السنوات الثماني الماضية خلال رئاسة بوش ويؤكد ذلك ما صدر عن الرئيس المنتخب من مواقف تجاه قضايا المنطقة وتوصيات الخبراء والدراسات التي صدرت في هذا الشأن وما صدر حتى الأن من عدد من كبار مستشاري أوباما.

محمد صادق