إذا لحفاوة الاستقبال التي لقيها فوز الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما ، إلى الحد الذي وصفها الكثيرون بصعود ما سمى بالظاهرة «الاوبامية»، من دلالات.. فإن أولاها الرغبة في التغيير داخليا وخارجيا، وهو الشعار الذي أجاد فريق الحملة الانتخابية لاوباما في الاستقرار عليه لتلخيص المهمة التي ستقوم عليها دعائم فترة حكم الرئيس المقبل للبيت الأبيض.
ولعله ليس من قبيل التجاوز أو المبالغة هنا الإشارة إلى أن قدرا كبيرا من الترحيب بأوباما قد لا يعكس رغبة فيه وحبا له ، بقدر ما هو كراهية للإدارة الأميركية السابقة التي ترأسها بوش ، ورغبة في التخلص منها.
على هذه الخلفية، ذهبت التوقعات مداها في تصور تحولات كبرى في السياسات الأميركية، سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي، على النحو الذي يوحي بأن الإدارة الجديدة ستغير دفة الأمور بشكل جذري في تعاطيها مع مختلف القضايا التي ستواجهها خلال السنوات المقبلة.
ورغم أن هذا التصور يحمل قدرا كبيرا من الصحة، إلا أنه يحمل كذلك قدرا من الشطط، وعدم القدرة على الفرز بين ما سيخضع للتغيير وما سيظل محل استمرارية وإن أضيفت إليه بعض «الرتوش» التي تتوافق مع توجهات الإدارة الجديدة.
«تغيير» الشرق الأوسط
على مستوانا نحن في المنطقة العربية، فإن القضية التي تهمنا هنا هي : ما هي حدود تطبيق شعار «التغيير» الذي رفعه أوباما على قضايا الشرق الأوسط؟. في هذا الملف، واستمرارا لما قدمناه في العدد السابق، حول تطلعات العرب من أوباما، نواصل هنا، مناقشة مجموعة من قضايا السياسة الخارجية الأميركية تجاه المنطقة التي شغلت أذهاننا وما زالت خلال فترة حكم بوش، ومساراتها المحتملة خلال فترة حكم اوباما.
في السطور التالية نرصد بالتناول المشروع الذي يمكن القول انه احتل مرتبة متقدمة في أولويات إدارة بوش في سياستها تجاه المنطقة ألا وهو «الشرق الأوسط الكبير»، المشروع الذي عملت الإدارة من خلاله على صياغة مستقبل المنطقة وفقا لرؤية محددة.
وكان من بين أدواتها لتحقيقه سياساتها تجاه القضايا المزمنة والمستجدة في أجندة السياسة الأميركية خلال حكم هذه الإدارة، سواء كانت ممثلة في النزاع العربي الإسرائيلي أو غزو العراق، أو تسخين الأوضاع مع إيران، أو خوض حرب شاملة ضد لبنان للقضاء على حزب الله.
تشير القراءة السياسية للمشروع إلى انه كان من بين أهدافه توسيع نطاق المنطقة بهدف تمييع وضعها بما يحقق من جهة هدف تحقيق حالة من الاندماج الكامل لإسرائيل في إطار المنطقة وتحويل العرب من كونهم المعلم الأساسي لدى الحديث عن المنطقة إلى كونهم أقلية الأمر الذي يعزز من طبيعة الوجود الإسرائيلي ويسهل من هدف إدماجها في ضوء الطبيعة المطاطة التي يتسم بها طرح المشروع لمفهوم الشرق الأوسط.
إلى جانب ما سبق فقد استهدف المشروع فرض رؤية إصلاحية من الخارج على الدول العربية والإسلامية ، يأتي على رأس أولوياتها تطبيق الديمقراطية. وبغض النظر عن الجدل الدائر عن مدى حاجة هذه الدول للإصلاح من عدمه وهى حاجة غير مشكوك فيها إلا أن الصيغة التي تم بها طرح المشروع لا ينطبق عليها حق الانطباق سوى المقولة التي تقرر أنها «حق يراد به باطل».
تحولات الهيمنة
هنا وفي محاولة لفهم السياق الذي جاء المشروع في إطاره نشير إلى أنه بدا ناضجا للطرح إثر تمتع الولايات المتحدة بالانفراد الفعلي بالهيمنة على مقدرات النظام الدولي فيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ما يؤكد أن المشروع جاء كمقدمة لمحاولة الإدارة الأميركية استغلال المناخ الدولي الذي عاشه العالم في بداية الألفية الثالثة وبدت إرهاصاته في العقد الأخير من القرن العشرين.
لقد بدأ عقد التسعينات من القرن الماضي بانهيار القوة الثانية على رأس النظام الدولي.. الحدث الذي تمثل في تفكك الاتحاد السوفييتي ما دعا الكثيرين آنذاك إلى الحديث عن نظام دولي ذي قطب واحد واستدعاء التجارب الدولية التي شهدت مثل هذا النظام «القطبية الأحادية»، وعززت الأحداث التي جرت على مدى سنوات التسعينات فكرة انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على النظام الدولي.
وأصبحت هذه الهيمنة في حكم الحقيقة مع وقوع أحداث سبتمبر التي لا يمكن الجدال بشأن تأثيرها على طبيعة الأوضاع الدولية أو إنكار أن الإدارة الأميركية سعت إلى استغلالها أفضل استغلال بما يحقق رؤاها الخاصة لشكل هذا النظام سواء في علاقاتها مع شركائها أو حتى خصومها.
فقد أدت هذه الأحداث إلى استئثار النقاش حول الشرق الأوسط باهتمام الأوساط الأميركية، وأصبح يتم النظر إلى الملف الشرق أوسطي بصورة أكثر شمولية كما أن النقاش تطور نحو طرح الأسئلة حول التطور التاريخي للعالم الإسلامي والموقف العدائي حيال الولايات المتحدة في المنطقة.
وأكد على هذا التوجه الرئيس بوش الابن بنفسه حيث راح يقول في معرض حديثه عن دلالة الأوضاع فيما بعد 11 سبتمبر انه «بدءا من تلك اللحظة بدا واضحا أن السياسة العالمية قد تغيرت ومن الواضح أن الشرق الأوسط يحتل مكانة خاصة بالنسبة للصراع ضد الحركات المتطرفة وذلك لأن أميركا تعتبر ان معظم الذين يهاجمونها يعودون في أصولهم إلى تلك المنطقة».
لقد أطلقت هذه الاحداث يد واشنطن ليس لإعادة ترتيب أحوال المنطقة العربية والإسلامية فحسب وإنما لإعادة ترتيب أحوال العالم كله ما دعا الكثيرين إلى التأكيد على أن الولايات المتحدة تعيد إلى العالم مفهوم الإمبراطورية الذي كاد الجميع يتصور انه غاب أو انقرض.
في هذا السياق جاءت العمليات العسكرية الأميركية في أفغانستان، وإقصاء حركة طالبان عن الحكم على النحو الذي انتهى بتحول البلاد إلى ورقة في يد الإدارة الأميركية ثم تبعها مشروع غزو العراق، والذي كان يمثل التحول الأهم في ضوء ما أكد عليه الكثيرون من كونه بمثابة الحلقة الأساسية من مسلسل تشكيل الشرق أوسطية إزاء ما بدا لصانع القرار الأميركي من ضرورة تغيير العالم العربي والإسلامي.
باعتبار ذلك بات هدفا إستراتيجيا ومسألة أمن قومي لمكافحة ما يسمى بالإرهاب ومواجهة معاداة أميركا فضلا عن رؤية قادة واشنطن أن حسم الوضع في المنطقة وفق رؤاهم قد يكون بمثابة تجربة مصغرة على مدى قدرتهم على صياغة الأوضاع على مستوى النظام الدولي ككل وفق الأطروحات الأميركية.
العراق ونظرية الدومينو
وكان ينظر إلى العراق في هذا الصدد كمرحلة أولى فقط وفق نظرية الدومينو التي تقول إن إسقاط أحد العناصر يؤدي تلقائيا إلى تساقط العناصر الأخرى وكانت هذه التوجهات تصب حسب رؤية البعض في المصلحة الإسرائيلية بدرجة أولى بهدف إزالة العقبات أمام إسرائيل وأهدافها الإقليمية وفتح الباب أمام إسرائيل الكبرى التي ليست بالضرورة أن ترتبط بالجغرافيا إذا نشأ وضع إقليمي مساعد لها وتم خلق سوق شرق أوسطية كما كان ينظر عتاة الإسرائيليين.
غير أن تطورات السير على تنفيذ هذا المشروع لم تأت بالنتائج المرجوة وتحولت إلى كابوس بفعل النتائج الكارثية التي واجهتها الإدارة الأميركية سواء في أفغانستان أم في العراق، على النحو الذي أصبحت القضية محل الجدل معه هو كيفية الخروج من هذا المستنقع وهو ما يتبدى على نحو واضح في الإشارات الواضحة التي دخلت حيز التنفيذ بخصوص الحوار مع طالبان بل وإمكانية عودتها إلى المشهد السياسي في أفغانستان في ظل صيغة يتم الاتفاق عليها.
أما العراق فقد مثل نموذجا للفشل الأميركي في تحقيق الديمقراطية على أسنة الدبابات الأميركية، فضلا عن الانتقادات التي لحقت بالإدارة بسبب تفكيك دولة وعدم القدرة على إعادة دمجها مرة أخرى بأي صيغة من الصيغ.
مثل الفشل على هذين الصعيدين، والذي واكبه فشل مزدوج آخر سواء على صعيد تحقيق تسوية القضية الفلسطينية بما كان يمكن أن يعزز هدف الإدماج الكامل لإسرائيل في المنطقة، وكذا الفشل الذريع في مسعى القضاء على قوة حزب الله والذي جاء بنتائج معاكسة على صعيد الأهداف الأميركية الإسرائيلية الأصيلة، ملامح إجهاز على فكرة مشروع الشرق أوسطية على النحو الذي بدا ملموسا في تراجعه في أجندة الإدارة الأميركية.
وتعززت هذه الرؤية بالتراجع الأميركي عن فرض الديمقراطية إزاء ما بدا من حقيقة أن هذه العملية قد تأتي بنتائج في غير صالح الولايات المتحدة وأنه قد يكون من الأفضل التعايش مع أنظمة ذات طبيعة تتسم بقدر من الاستبدادية، الأمر الذي كشف عن قدر كبير من البراجماتية الأميركية في التعاطي مع قضايا المنطقة على نحو قوض مصداقيتها حتى على المستوى الشعبي.
المتغيرات الدولية
على الصعيد الدولي حملت التطورات العديد من المتغيرات التي كانت تقوض المسعى الأميركي. وكان من أبرز هذه التطورات بشكل أساسي عودة الحنين إلى روسيا لممارسة دور قوة عظمى، ما بدأت معه واشنطن تواجه بعض الصعوبات في مخططاتها لتعزيز هيمنتها والقضاء على جيوب تحدي قوتها.
وتمثل تطورات الملف النووي الإيراني في هذا الخصوص وتأثيرات موقف موسكو على هذا الصعيد أبرز مثال على هذا الطرح، إلى جانب الموقف الروسي القوى الذي بدا في أزمة جورجيا والتي كانت تنذر بنوع من التحول على صعيد حقيقة مدى انفراد الولايات المتحدة بتقرير مسيرة النظام الدولي. وجاءت الأزمة المالية الدولية والتي انطلقت من واشنطن لتثير التساؤلات حول مستقبل ما راح الكثيرون يروجون لوصفه بـ «الإمبراطورية الأميركية».
فهل تحاول إدارة أوباما رغم اختلاف التوجهات إنجاح ما فشلت فيه الإدارة السابقة؟ إذا كانت الإجابة التي تبدو منطقية هو التخلي عن المشروع.... فكيف ستدير إدارة أوباما سياساتها تجاه قضايا الشرق الأوسط؟ وكيف ستعالج هذه الإدارة تبعات وأثار مساعي تنفيذ المشروع سواء في أفغانستان أو العراق، او على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي؟ هذا ما تتناوله في الصفحات التالية من «مدارات ساخنة».
إضاءة
كان من المتصور وفقا للرؤية الخاصة بالشرق الأوسط الكبير وانطلاقا من الحدود المطروحة في المشروع إضافة مناطق جغرافية جديدة أو إلغاء أخرى حسب التوجهات السياسية للقوى القائمة على إدارة المشروع سياسيا.
ومن خلال استقراء مجمل المواقف الصادرة عن مسؤولين أميركيين في هذا الشأن كان المشروع يشمل وفقا للطرح الأميركي أفغانستان وباكستان والعراق وتركيا وكذلك عدداً من الجمهوريات السوفييتية السابقة. وكان هذا الفضاء الجغرافي الواسع يتناسب مع الرغبة الأميركية بشأن تطويع مفهومها للمشروع حسب أهدافها السياسية وعلى رأس هذه الأهداف الحرب على الإرهاب.
مصطفى عبد الرازق
