ربما تكون نافذتنا على العالم هذا الأسبوع مغايرة بعض الشيء إذ نرى فيها المدن والبلدان بعين شبابية بحتة، فضيفنا ما زال طالبا يدرس في كلية المجتمع بجامعة الشارقة ويعمل في الوقت نفسه موظفا في جمارك الشارقة، لكنه أيضا من هواة السياحة حبا في الطبيعة ومناظرها الخلابة، وينظر للأشياء من زاوية المتعة والجمال ويسجل اللحظات في صور للذكرى، ومن فرط حرصه على التصوير يستعجب أصدقاؤه من ذلك ويسألونه عن أهمية هذه الصور، فماذا في جعبة حمدان الحوسني من ذكريات وانطباعات عن الدول التي زارها؟

في البداية يعبر الحوسني عن افتتانه بالطبيعة ورحلاته داخل الدولة بقوله: مدن الإمارات غنية بمناطقها السياحية والأثرية وتستحق الاكتشاف من هاو وباحث عن الجمال، وفي اعتقادي أن من لم يزر المنطقة الشرقية وحتا والعين فقد فاته الكثير، أنا واحد من الناس الذين يجدون أنفسهم وسط الجبال وفي الأودية وعند عيون الماء، وما أكثر هذه الأشياء في بلدنا، ولا أظن أن أسبوعا مضى من دون أن نخرج كمجموعة من الأصدقاء لنذهب إلى مكان نختاره في لحظته الآنية، فلا تخطيط مسبق ولا اتفاق على مكان بعينه، فجأة نجد أنفسنا على الهاتف وقد حددنا وجهتنا وشددنا الرحال، مرة إلى الفجيرة ومرة إلى العين وخصوصا جبل حفيت، وكثيرا ما نذهب إلى وادي سيجي بالفجيرة، لكننا تعودنا أثناء وبعد هطول الأمطار الذهاب إلى الأودية التي تكون قد امتلأت بالمياه، فهذه اللحظات أوصفها بالعيد لي شخصيا ولكل إماراتي بشكل عام، والدليل على ذلك تجمع السيارات عند الأودية بصورة رهيبة، أما رحلاتي الخارجية فقد جاءت مبكرة قياسا إلى سني، فأنا أعشق اكتشاف المجهول واشعر بالضيق عندما اسمع عن جمال بلد أو مدينة ولا أزورها.

البداية كانت إلى إيران مع العائلة، صحيح أن الرحلة جاءت رغما عني، إلا أن انطباعاتي عن البلد أخذت منحى آخر، ولهذا زرتها بعد ذلك مرارا مع أصدقائي وأحيانا بمفردي، ففي شمال إيران تتجلى الطبيعة بخضرتها في أبهى صورها، شلالات المياه وأشجار الفواكه المتنوعة وعلى وجه الخصوص البرتقال الذي يزرع في الشوارع ويأكل منه عابر السبيل دون أن يمنعه أحد، وأشبه زراعة البرتقال في شوارع إيران بزراعة النخيل عندنا، لكن الأمر لا يتوقف عند هذه المشاهد الأولية على الرغم من دلالاتها العميقة، فاللوحة تكتمل في منظر عام تشكله الخضرة والمزارع والبساتين الكثيفة، لقد وجدت في إيران مثالا حيا للاكتفاء الذاتي في المأكل وفي الصناعة والتجارة، وعرفت عن كثب صلابة هذا البلد ووقوفه أمام الأطماع الغربية في المنطقة، فمن حيث الزراعة ينتجون ما يكفيهم من القمح والأرز والبقول، ويصنعون السيارات الصغيرة منها والكبيرة، ولم أر أثناء زياراتي المتعددة وجودا لسيارة مستوردة، وإيران مشهورة أيضا بالمكسرات وتنتج ما يكفيها منه ويتم تصدير الفائض للخارج، حتى الملابس يصنعونها عندهم ناهيك عن مدينة أصفهان المشهورة بصناعة السجاد الذي لا تجد له مثيلا في العالم، وفي رأيي أن الشعب الإيراني من الشعوب المنتجة التي تحب عملها وتتقنه مهما كان صغيرا أو كبيرا وأستطيع القول إنهم ينتجون ما يقارب 70في المائة من احتياجاتهم، والحق أنني اكتشفت الكثير عن إيران من خلال زياراتي لها، ووجدت إجابة لحالة الانغلاق التي تعيشها مع الخارج.

والشعب الإيراني كريم ومضياف ويتسم بالطيبة وتقديم المساعدة للآخرين، واختلف الأمر الآن عما رأيته في زيارتي الأولى من حيث تجاوبهم باللغة الإنجليزية التي لم تكن دارجة في السابق، فقد كان التفاهم معهم بلغتهم صعبا للغاية، أما الآن فالأجيال الشبابية التي تعلمت اللغة الإنجليزية توفر للسائح فرصة التواصل المريحة بعد حالة الانفتاح البسيطة على الآخر، لكنني لاحظت مدى عصبية الإيراني عندما يستفز ورأيت الكثير من المشاكل الشرسة التي وقعت فيما بينهم، وعلى قدر الازدحام الشديد في المدن الإيرانية إلا أن مسحة من النظام تسودها، وكذلك الخدمات الجيدة التي توفرها البنية التحتية، وفي النهاية أنا استغل زياراتي لإيران وأشتري السجاد والأدوات المنزلية والملابس، ومن فرط إعجابي بها دائما ما أنصح أصدقائي بزيارتها.

أما رحلتي التالية فقد كانت لتايلاند التي زرتها أربع مرات، المرة الأولى كانت في فصل الصيف، وتخيل أنك خرجت من طقس حار ليستقبلك المطر والهواء البارد فور إطلالتك على شوارع بانكوك، كان استقبالا رائعا ولم أتوقعه بالمرة، من هنا أحببت تايلاند وذهبت إليها بعد ذلك عدة مرات، وهي بحق بلد جميل كل يوم تكتشف فيه الجديد.

فهناك الطبيعة الساحرة والخضرة الكثيفة لدرجة أنني تمنيت أن أرى رمالا أو تربة فما وجدت، ولديهم خدمات سياحية راقية من حيث المواصلات والفنادق والطرق الجيدة، أضف إلى ذلك المعاملة الراقية والمساعدة الفورية لمن يحتاج، وأظن أن هذه الخدمات ضرورية لبلد يعتمد السياحة كدخل قومي، ويعتبر أهل الخليج أكثر الناس زيارة لتايلاند، وتمثل العاصمة بانكوك تجمعا للعائلات العربية في حي واحد كما هو الحال لتجمع الشباب في مدينة بتايا في منطقة واحدة.

وأظن أن للسياح العرب يدا في ارتفاع الأسعار بصورة جنونية في السنوات الأخيرة قياسا بالأعوام السابقة، والغريب أيضا أن الخليجيين تخلو عن الملابس الإفرنجية التي كانوا يلبسونها في الماضي وأصبح الزي العربي هو الطاغي هناك، الأمر الذي يشعرك أنك في دولة خليجية، والأدهى من ذلك أن السيدات من البلد الواحد يتقابلن هناك بعد فترة طويلة فهن لم يرين بعضهن في بلدهن.

وحدث هذا معي أنا شخصيا عندما قابلت أحد الأصدقاء هناك بعد فترة انقطاع تعود إلى مرحلة الدراسة، أما السياحة في تايلاند فلها متعتها الخاصة، ففيها توجد الشواطئ الجميلة والنظيفة، ولكل مدينة من مدنها طابعها المميز، وقد زرت مدينة بوكت وشنغهاى وأراهما مدينتين مثاليتين لقضاء شهر العسل بالنسبة للمتزوجين، فهما مدينتان هادئتان تصلحان للاستجمام بعيدا عن الضوضاء، أما العاصمة بانكوك ومدينة بتايا فهما صاخبتان ويتناسبان مع الشباب أكثر.

وعلى غرار استقبال تايلاند للحوسني بالأمطار والبرودة كان الاستقبال في القاهرة، يقول حمدان: زرت مصر مرة واحدة لكنني متشوق لزيارتها مرة أخرى، وكانت رحلتي إليها في شهر فبراير حيث لفحني الصقيع فور خروجي من المطار، ولأنني جربت ذلك في تايلاند فقد أصبحت لدي عادة بأن أضع في حقيبتي البطانية الصغيرة التي توزع على الركاب في الطائرة.

وكم أنقذتني تلك الباطنية من مواقف مثيلة صادفتني أيضا في مطار تركيا، والحديث عن مصر يحتاج إلى وقت كبير رغم أنني مكثت فيها أسبوعا واحدا فقط، زرت الأهرامات والمتاحف وبرج الجزيرة، دخلت المسارح والسينما والحفلات الغنائية، لكن استمتاعي بالقاهرة وصل إلى ذروته عندما زرت منطقة الحسين، ويا له من مكان يجمع المتناقضات ويصيغها في لوحة مفعمة بالحياة.

هناك الفقير والغني، المثقف والأمي، من يركب سيارة ومن يمشي على قدميه، وجوه باسمة وطيبة تجبرك على احترامها، الأغاني والأكلات الشعبية وأجواء مصر القديمة تراها مجسدة أمامك في الحسين، وأتمنى أن أذهب إلى مصر في شهر رمضان حتى استمتع بأجواء الشهر الكريم في حي الحسين.

ويصل بنا الحوسني إلى محطة تركيا ويقول عنها: قرأت إعلانا سياحيا عن تركيا في إحدى الصحف وذهبت إليها مع صديق، وتركيا بلد جميل فيه الكثير من الحضارة الإسلامية المتجسدة في المساجد العملاقة بزخارفها وهندستها المعمارية الفريدة، زرت منطقة بورصة ومنطقة تقسيم وشاهدت مضيق البوسفور عن قرب، كذلك مشيت قليلا على الجسر المعلق الذي يصل قارتي آسيا وأوروبا، أما أسواق تركيا فهي عجيبة، ولمن لا يعرفها سيخدع مرارا، ففي الأسواق التجارية الفخمة الأسعار مرتفعة جدا.

عز الدين الأسواني