تقتحم حواسه تفاصيل سنينه بدقة غير معهودة وبتواريخ وارقام، هو ذاته ذلك الصياد الذي خاض عباب البحر ليبحث عن رزقه بين امواجه وقد يكون هو نفسه جلجامش أو أحد شعراء الجاهلية.
أو ربما المتنبي او الخوارزمي اصبحت الذاكرة عنده حاضرا فيشدك نقاء سريرة هذا الشاب الذي تعدى عقده الثالث بسنوات معدودة ولكنه يرى مستقبله في طفلته التي يعتبرها رزقا من الله وبداية مستقبل يستهل حديثه عن الدراسة الابتدائية وشقاوة الاطفال وكيف كان يجر اغراضه متثاقلا في امل ان لا يصل الى المدرسة ويذهب للبحر الذي كان دنيته وعالمه ولكنه رويدا رويدا بدأ يتعود على الدراسة واصبح تلميذا مجتهدا كيف لا وخلفه يقف اب وام همهما الوحيد في الدنيا انشاء اسرة يشار لها بالبنان فالدراسة والاخلاق واحترام الناس خطوط حمراء لا يسمحان لاحد من ابنائهما بتجاوزها وخاصة ان للحي مكانته وللفريج مكانته يحترم به الكبير ولا احد يخرج عن رأيه وكذلك يحدثنا عن اللعبات التي كانت بمتناول الايدي ومنها (التيلة والكوك والهوسة وعنبر) والتجمع في الساحة فالكل امام مرأى الاسر ووقت الصلاة مقدس عند الكبير والصغير ترانى بالمسجد لا يفوتنا وقت .
درست الاعدادية وقتها كان لزاما علي انهاء المرحلة ولكن دون ان ارسم خطا بيانيا لمستقبلي من حيث ماذا سأكون وفعلا انهيت المرحلة الثانوية وبقيت عاما كاملا لا دراسة ولا عمل فاتجهت للصيد في البحر على اساس ان هذا مستقبلي ولكن الطامة كانت عندما لم اجد البحر بحرا بل وجدت مياها لا روح فيها لا اسماك ولا شعب مرجانية وتلوث وصيادين لم يألف البحر سحنتهم ويحمل لهم ثأرا بين امواجه فهم من قتلوا الحباة فبه ، صيادون اسيويون يقاسمون اصحاب البحر النصف بالنصف يصطادون بكل الطرق غير الشرعية فليس همهم الا جني المال فقفلت عائدا ابحث عن وظيفة ولكن اين اذهب وليس معي شهادة جامعية طرقت كل الابواب الى ان وجدت وبعد عام وظيفة في احد البنوك وعملت موظف (كاونتر) وبقيت في هذه الوظيفة مدة لا بأس بها الى ان اصبحت اتنقل في كل ادارات البنك وعملت (في الكاستمر سرفس، والكردت كارد) وقسم القروض ودخلت اقسام غير المواطنين وجدت في بداية الامر صعوبة ولكن سرعان ما تأقلمت مع الوضع واستفدت خبرات من جميع الموظفين ثم عملت مسؤول القسم التجاري ثم مساعد مسؤول خدمة العملاء ومدير فرع بالانابة دون ان اتكبر على عمل فالعمل مادام يحفظ ماء وجه صاحبه وشريفا فليس عيبا فالعيب ان تسأل الناس اعطوك او منعوك.
لذلك قررت اكمال تعليمي وتقدمت للدراسة في كلية الشارقة التقنية مسائي وعملت ودرست الى ان تحصلت على الشهادة الجامعية وعندي خبرة كبيرة في العمل المصرفي ، بعدها جلست مع نفسي اراجع دفاترها ندمت كثيرا للعمل في بنوك ربوية فما كان امامي الا بنك دبي الاسلامي لاطرق بابه فرحب القائمون عليه بي وبدأت العمل في هذا البنك العملاق الذي يضم أكثر من 50 فرعا والآن اشغل منصب مدير فرع بنك دبي الاسلامي في ام القيوين وللحديث عن البنك فان ما يميزه حسن معاملته لجمهور المتعاملين ومعاملاته لايشوبها شائب .
والطموح مشروع مادام يحقق عناصر الشفافية وعندما تكون مجتهدا لا تحتاج تزكية بل عملك يوصلك الى ماتريد .
الأسرة
عندما تكون النشأة سليمة فكل مايتبعها بعد ذلك سليم لقد تربينا كجسد واحد تحت كنف والدينا اللذين مازلنا نستمد منهما الحياة ومازلنا نقيم في بيتنا الكبير تحت جناحيهما فبالتالي ينعكس ذلك على الاسرة الصغيرة التي كونتها فزوجتي وابنتي كل حياتي فالطفلة التي مازالت في الاشهر الاولى اتمنى من الله ان يمد بعمري لاحقق لها ماتصبو اليه من علم ودراسة وبالنسبة للزوجة فهي خازنة اسراري ورفيقة مشواري وكل امر اتخذه لا يكون القرار فيه فرديا بل بالتشاور واحمد الله انه من علي بالزوجة الصالحة المتعلمة فهذه كما يقول الحديث حسنة الدنيا .
الاصدقاء
اصدقائي كثر ولكن الوحيد المميز معي بعد ايام الدراسة الى وقتنا الحالي شاب لبناني اسمه عماد يعتبر اكثر من اخ استشيره في كل صغيرة وكبيرة وهو كذلك وحتى والده ووالدته تراهم يأتون من لبنان الى هنا في كل مناسبة ونحن كذلك فالصداقة بالنسبة لي حياة صافية خالصة من كل المصالح الدنيوية لانها صدق وصديقك من صدقك وليس من صدقَك وانا اعتز بصداقاتي كثيرا لانها تمدني بنقاء قل ان تجده في عالم المصالح والمال .
دروس الحياة
تعلمت من هذه الدنيا الا اؤجل عمل اليوم الى الغد وان احظى بالصداقة الجيدة التي تكون سدا منيعا والا يكون ظهرك الى الحائط الحائط الساقط، واتوجه للشباب بالقول اعتمدوا على انفسكم وتعلموا فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة بل التعليم والمكانة الاجتماعية هي الطريق نحو تحقيق الاحلام وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا .
نحت في الصخر
محمد السويدي ضابط متقاعد قال: ان الحديث عن بدر له محاذير كثيرة فهو رغم حداثة عمره الا ان طموحه يشبه البحر كيف لا وهو الذي تربى بين الامواج فتعلم من البحر صلابته وقوته وكثرة خيراته فبعد ان كبا جواده عاما كاملا وجلس بلا عمل تراه يدخل الحياة من اوسع ابوابها عندما ايقن ان النجاح لا يتحقق بلا دراسة وشهادة جامعية فتعلم ودرس واصبح مديرا لاحد فروع بنك دبي الاسلامي وما زال يعتبر نفسه ببداية الطريق، حقا انه مفخرة للشباب المواطن لذلك كل من يعرفه يثني عليه ومن لا يعرفه ما ان تسأله عنه حتى يقول لك رجل طيب .
المعرفة
حمدان الزعابي طيار مدني في طيران الامارات تحدث عن بدر قائلا : أخاف أن لا أفي هذا الرجل حقه من الكلام فهو عون لكل انسان وكذلك عنوان للشهامة والصدق والاخلاص لا يتوانى في الوقوف الى جانب من يطلبه فكلمته (تم ) اصبحت شعارا وانا للامانة اغبط هذا الرجل ادبه ورجولنه وطاعته لوالديه اللذين ربياه خير تربية.
ان نجاحاته لم تأت صدفة ولا بين ليلة وضحاها بل هي نتاج تعب وسهر ونظر الى الامام وادرك ان بداية الميل خطوة فقطع الاميال وما زال ليس سعيا لمنصب ولكن تحقيقا لذات عزيزة وبالتالي لا يضيع اجر من اجتهد ، وصدقني انني لما اجده عنده من رجاحة للعقل تراني استشيره في كل كبيرة وصغيرة واجد عنده الرأي السديد، حتى انك تراه ازداد وقارا واثقلته السنون بمفرداتها فهو لا يدع شيئا للغد فهو يوم العاجزين.
إضاءة
ولد بدر السويدي في ام القيوين العام 1975 لاب صياد يعتمد على البحر في رزقه وام تحسبها بألف رجل قائمة على تربية الاسرة والاهتمام بشؤون البيت لا تقبل بالفشل لاحد من افراد عائلتها شابا اوبنتا فالكل متعلم والكل يعمل، وهو يقول: العام 1981 دخلت مدرسة احمد بن راشد الابتدائية ومدرسة عثمان بن عفان كان البحر احب الي من الدراسة ولكنني اصبحت لا اذهب اليه الا في اجازة الصيف.
وهكذا الى ان انهيت الابتدائية والاعدادية والثانوية وجلست سنة كاملة عاطلا عن العمل او بالاحرى لم اجد مكانا لي في سوق العمل فامتهنت الصيد حرفة ولكن البحر تغير فما عاد كسابق عهده نتيجة دخول الاسيويين في هذه المهنة حيث اصبحوا يخترعون طرق صيد اودت بالبحر وبما داخله ،ايقنت عندها انه يجب ان يكون لي مكان فدخلت احد البنوك وبدأت العمل موظف كاونتر عندها ايقنت انه لا ينقصني شيء لاكون موظفا ذا شأن مع احترامي لكل المهن.
عبد المنعم الشديدي



