قبل أن تهل نسمات الخريف التي أنعشته وأعادت إليه الابتسامة المفقودة، عانى رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون من صيف ساخن كاد يطيح به. شعبيته ، كانت في الحضيض، وحزبه (العمال) فقد بريقه وكان ذلك جليا خلال الانتخابات المحلية الفرعية في يوليو الماضي، اذ لقي مرشحه الهزيمة في دائرة انتخابية كانت تعتبر احد اكبر معاقل الحزب، وكانت تلك ثالث هزيمة له في انتخابات فرعية منذ وصوله إلى السلطة ووصفت تلك الهزائم بأنها الأسوأ على مدى 40 عاما. كان براون على حافة السقوط بعد سنة من حكمه. وقال أحد وزراء حكومته «لا يمكننا الانحدار اكثر من ذلك، لقد سقطنا الى القاع».
وفي ذلك الوقت لم تتساءل الصحافة البريطانية عما اذا كان براون سيبقى في الحكم أم لا، بل متى ستتم إقالته. ولكن الرجل، تماسك إلى أبعد الحدود وكان ذلك جليا خلال المؤتمر السنوي لحزب العمال الذي بدا في حالة يرثى لها بعد 11 عاما من توليه السلطة. سعى براون الى أن يعيد للحزب الثقة، ورفض إجراء انتخابات مبكرة، لأنها كانت تعني السقوط أمام الناخبين وعودة المحافظين الى الحكم.
في شجاعة ودون تردد، بدا واثقا من نفسه أمام مؤتمر حزب العمال الأخير. قال عن نفسه أنه الرجل المناسب لقيادة بلاده في مواجهة الأزمة الاقتصادية الراهنة. وقال عن خصمه ؟ حزب المحافظين وزعيمه ديفيد كاميرون- إنه لا يمكن الوثوق بهما لقيادة اقتصاد البلاد.
وعندما تصاعدت الأزمة المالية العالمية، كان هناك من يظن أنه سيعجز عن مواجهتها. ولكنه أثبت جدارته وكفاءته في التعامل معها، بل بسبب الأزمة، زادت شعبيته واستعاد حزبه توازنه. غيرت الأزمة العالمية أحوال براون الذي ظل عديم الشعبية حتى نهاية هذا الصيف، خاصة بعد أن وقع تمرد علني داخل حزبه.
براون يعيش الآن أسعد أيامه ولاتفارقه ابتسامة الثقة، ليس بسبب تحسن شعبيته في الداخل، ولكن لإعجاب نظرائه في الغرب وغيرهم خارج حدود بريطانيا بخطته الجريئة الخاصة بمواجهة الأزمة المالية والقائمة على اعادة رسملة البنوك. وتشير وكالة الأنباء الألمانية الى أن الحكومة الاميركية نسخت خطة براون المؤلفة من مزيج من ضخ أموال طائلة في البنوك وضمانات قروض مع فرض شروط صارمة على الإقراض وتشديد الاجرءات الخاصة بضمانات القروض.
وأثنى الباحث الاقتصادي الاميركي المعروف بول كروغمان الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام على براون لبراعته في تحديد طبيعة جهود الانقاذ العالمية، ونعته هو ومستشاريه بالحصافة والحكمة. وقال «هم الذين يضيئون لنا الطريق لعبور الأزمة». والفرنسيون من جانبهم قالوا عنه أنه الساحر الذي بهرهم بخطته.
خطة براون تدعو الى هيكل مالي جديد لعصر العولمة. وتنقل وكالة الأنباء الألمانية عن معلقين بريطانيين قولهم، أن براون الذي لم يوافق على معاهدة الإصلاح الأوروبية إلا على مضض والذي حال بمفرده دون انضمام بلاده إلى منطقة اليورو، يدعو قادة العالم الآن لمزيد من التعاون والتنسيق الدولي لإصلاح النظام المالي العالمي ومواجهة المشاكل التي تمنع المصارف من إعطاء القروض وإحراز تقدم على صعيد التجارة العالمية.
ويؤمن براون بأنه لن يكون بمقدور أية دولة مهما كان حجمها أن تواجه التحديات وحده، ولذلك يدعو الى اتفاق شامل بين الجميع لإنشاء نظام مالي دولي قوي والتحلي بالشجاعة السياسية لتعميق الحوار بين الجميع وردم الهوة التي تعيق الاستقرار في أسواق النفط العالمية.
ويسعى براون لزيادة الموارد المالية لصندوق النقد الدولي المقدرة حاليا ب250 مليار دولار بدون ان يستبعد تقديم مساهمة بريطانية لمساعدة الدول التي تعاني بقوة من تداعيات الأزمة المالية. ويرى براون أن المرحلة المقبلة ستتطلب تعاون دولي مع الولايات المتحدة على أساس برنامج مشترك، اذ يؤمن بأن واشنطن لها دور حيوي في الأزمة الاقتصادية، وهذا الدور سيبقى وقال «يجب ان يبقى».
حسن صابر
