الرابع عشر من نوفمبر عام 1982، يؤرخ عند معظم عمال بولندا، بأنه يوم انتصار لمسيرة حركة «تضامن» التي كانت باكورة الانتفاضات الشعبية التي شهدتها أوروبا الشرقية وأودت في النهاية بحياة الشيوعية.
في مثل هذا اليوم، تحرر زعيم هذه الحركة ليخ فاليسا من أسره، اذ دفع من حياته 11 شهرا في المعتقل ثمنا لانتفاضة العمال البولنديين. الفصل الأول من أحداث قصة حركة «تضامن»، بدأ في أغسطس عام 1980. انطلقت شرارة الانتفاضة العمالية البولندية. قاد فاليسا حملة احتجاجات العمال في حوض بناء السفن بمدينة غدانسك، حيث كانوا يطالبون بظروف عمل أفضل في ظل ارتفاع الأسعار، وبحقهم في الإضراب وتشكيل نقابات عمالية. وكان فاليسا مجرد عامل كهربائي لم يكمل تعليمه، وسبق أن طرد من عمله عام 1976 بعد مشاركته في حملة احتجاجات ضد الحكومة. لم يكن فاليسا يهدف الى اسقاط النظام الشيوعي، بل أراد على حد قوله العمل في شراكة مع الحزب الشيوعي الحاكم. وكان موقف السلطات في باديء الأمر غير تعسفي أمام الاحتجاجات ونجحت الحركة العمالية الاحتجاجية ابتداء من أغسطس 1980 في حشد عشرة ملايين عامل خلال 500 يوم. وهنا شعرالنظام بالخطر والتهديد، أما الانتفاضة الشعبية العمالية العارمة.
وظهر على الساحة اسم الجنرال فويتشيك ياروزلسكي آخر زعيم شيوعي يحكم بولندا خلال الانتفاضة، اصبح رئيسا للوزراء وزعيما للحزب الشيوعي. وحاول التوصل إلى حل وسط لكنه فشل. وفي 31 أغسطس عام 1981، وأمام قوة الانتفاضة، فرض ياروزلسكي الأحكام العرفية في البلاد. وألقى القبض على فاليسا ومعاونيه، وفرض حظرا على حركة تضامن، وبالتالي نجح في اخماد نيران الانتفاضة بعد أن وقعت أحداث عنف. وبعد 11 شهرا من اعتقاله، أفرج عن فاليسا، وجعل من يوم اطلاق سراحه يوما تاريخيا. اذ ظهر فور خروجه من السجن، مطلا من نافذة بيته، ليرد تحية حشود العمال التي تدفقت لتحيته ويشد من أزرهم. وفي حين تحرر فاليسا من سجنه، بقيت حركة تضامن محظورة. وظلت هناك فترة سكون، دفعت النظام الى رفع الأحكام العرفية عام 1983، وهو العام الذي نال فيه فاليسا جائزة نوبل للسلام، تلك الجائزة التي نالها العديدون من أمثاله، وبدت في معظم الأحيان كأنها من أسلحة الحرب الباردة التي استخدمها الغرب ضد الاتحاد السوفييتي.
انهيار صرح الشيوعية في بولندا، بدأ فعليا في عام 1988 عندما انطلقت من جديد شرارة انتفاضة عمالية كرد فعل على تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد. هنا اضطرت الحكومة الى التفاوض مع فاليسا.
وفي ربيع 1989، صارت حركة تضامن بعد الاتفاق على ادخال اصلاحات سياسية واسعة، منظمة شرعية وسمح لعدد من أعضائها بخوض الانتخابات، وتحولت الحركة الى حزب. وقد انتخب الجنرال ياروزلسكي في العام نفسه بأغلبية برلمانية صغيرة رئيسا للبلاد وتخلى عن كل مناصبه الحزبية.
ثم استقال من الرئاسة في العام التالي ( 1990) وأجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة أسفرت عن فوز كاسح لفاليسا عامل الكهرباء غير المتعلم الذي صار من أبرز رموز الإصلاح السياسي في الكتلة السوفييتية بعد الزعيم التشيكي الكسندر دوبتشيك بطل انتفاضة ربيع براغ التي انطلقت في تشيكوسلوفاكيا عام 1968.
فاليسا لم يعمر طويلا في الحكم، فعندما أعاد ترشيح نفسه لفترة رئاسة ثانية أمام المرشح الشيوعي ألكسندر كانت شعبيته في الشارع البولندي قد انهارت. وفاز كوارزنيسكي بالرئاسة لفترتين متتاليتين حتي أكتوبر عام 2005.
فاليسا البالغ من العمر الآن 65 عاما فقط لم يختف عن الأضواء، ويحسب له حرصه على دعم الحوار بين الأديان.
أطلق فكرة تأسيس مركز للحوار المسيحي الإسلامي في بولندا، قائلاً ان نجاح الحوار بين الإسلام والمسيحية سيكون حدثاً أضخم من حدث ظهور حركة تضامن.
ويحسب له أيضا أنه أدان نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في احدى صحف بولندا.
أما الجنرال ياروزلسكي الذي بلغ الخامسة والثمانين، فقد حوكم مؤخرا هو وسبعة من المسؤولين الشيوعيين السابقين بتهمة اعلان الأحكام العرفية في البلاد عام 1981 دون وجه حق وبارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، ودافع عن نفسه قائلا ان قراره اعلان الأحكام العرفية كان شرا لابد منه، لأنه اسهم في درء كارثة كانت تتربص ببولندا ومهد الطريق نحو الديمقراطية، وأنه جنب بولندا تدخلا عسكريا سوفييتيا كما حدث للمجرعام 1956 وتشيكوسلوفاكيا عام 1968، وأنه اختار الخيار الأقل شراً عندما أمر الدبابات بالنزول إلى الشوارع عام 1981، لأن القوات الروسية كانت ستقوم بهذه الخطوة إذا لم يقدم عليها هو حسب قوله.
وعبر امام المحكمة عن اسفه لمعاناة البولنديين ابان فترة الأحكام العرفية، الا انه قال «لا استطيع ان ادعي اني كنت شخصا آخر. كنت اعتنق العقيدة الاشتراكية ولكني كنت ايضا واعيا بضرورة تغيير طبيعة النظام بطريقة تحفظ سلامة البلاد».
إضاءة
كتاب مثير للجدل في بولندا يثير شكوكا حول ليخ فاليسا الذي يتهمه معارضوه بأنه كان عميلا في الشرطة السرية الشيوعية. من خلال الكتاب يزعم المؤرخان سلوفومير سينكيفيتش وبيوتر غونتارتشيك على ضوء ملفات الشرطة السرية الشيوعية ان فاليسا في عام 1970 ابلغ عشرات المرات الشرطة عن انشطة العمال في احواض صناعة السفن في غدانسك.
وفقد فاليسا أعصابه أثناء مقابلة، اذ صرخ في الصحافيين كرد فعل على الاتهامات قائلا « لم توظفني الشرطة السرية لديها، ولن تجبرونني جميعا على الاعتراف بأشياء غير حقيقية». وقال «هذه آخر مقابلة لي.. والآن.. فلتذهبوا الى الجحيم. لن أجيب على أسئلة أخرى». وكان فاليسا كسب دعوى قضائية عام 2000 منحته البراءة من مثل هذه الاتهامات، غير أن خصومه يثيرون هذه القضية من حين لآخر.
حسن صابر


