من بين التطورات السياسية التي أذهلت الكثير من المتابعين لتطورات الوضع في أفغانستان والسياسات الأميركية هناك ذلك التحول المتمثل في الإعلان عن اعتزام واشنطن التفاوض مع حركة طالبان وهو الأمر الذي تحقق بالفعل ولو بشكل غير مباشر، ومهدد له العديد من التسريبات بفقد القوات الأميركية والناتو السيطرة على أراض هناك، وهو تطور كان يبدو في حكم الخيال في ضوء «الطبيعة الشيطانية» التي أسبغتها الولايات المتحدة على الحركة على نحو قاد إلى حرب أولى على ما تصفه الإدارة الأميركية بالإرهاب الدولي ما زالت فصولها تتوالى حتى الآن فما هو سر ذلك التحول؟ وماذا يخفي من أبعاد ودلالات؟ هذا هو ما سنحاول تناوله والكشف عنه في حدود ما هو متاح من خبايا حتى الآن.
في مطلع أكتوبر الماضي كتبت صحيفة «ذي أوبزرفر» البريطانية تقول إن «زلماي رسول مستشار الرئيس الأفغاني قرضاي يجري مفاوضات مع ممثلين لحركة طالبان في المملكة العربية السعودية». وفي 29 سبتمبر الماضي ذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن قرضاي أعلن عن رغبته في لقاء الملا عمر قائد حركة طالبان لإجراء مفاوضات سلام معه وأنه وافق على منح طالبان حقائب وزارية في الحكومة الأفغانية مقابل وقف القتال» ، كما ذكرت وكالة رويترز في اليوم التالي أن قرضاي وجه نداء للملا عمر قال له فيه «يا عزيزي عد إلى وطنك أفغانستان واعمل معنا» وقالت رويترز إن قرضاي قال إنه يضمن حماية وأمن الملا عمر ورفاقه الراغبين في السلام وانه لن يسمح للأجانب بالمساس بهم.
تحول مثير للتساؤلات ... هذه الأخبار تناقلتها مؤخرا العديد من كبرى وسائل الإعلام العالمية وشبكات التلفزيون الأميركية والبريطانية الرئيسية ، ويجب هنا التنويه إلى واشنطن خصصت مكافأة تقدر بنحو 25 مليون دولار عام 2001 بعد أحداث 11 سبتمبر لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على الملا عمر قائد طالبان، وأعلنت عن تخصيص مبلغ مماثل لمن يدلي بمعلومات تقود إلى القبض على بن لادن.
بينما انخفضت المكافأة إلى 10 ملايين لمن يقود للقبض على أيمن الظواهري ، مما يعني أن خطورة الملا عمر تعادل بن لادن وتفوق الظواهري ، ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن الرئيس الأفغاني حامد قرضاي يمكن أن يقدم على التفاوض مع طالبان بدون توجيه مباشر أو بالأصح أوامر من واشنطن.
إذا ما الذي حدث حتى تتحول الأمور بهذه الدرجة الكبيرة في الوقت الذي يتفق فيه الجميع على أن طالبان عادت أقوى وأكثر خطورة وتهديدا عن ذي قبل، هل هذا يعني إعلان من واشنطن بهزيمتها في الحرب على «الإرهاب» التي بدأتها عام 2001.
في أكتوبر الماضي صرح قائد القوات البريطانية في جنوب أفغانستان لصحيفة صنداي تايمز البريطانية بأنه لا يتوقع نصرا عسكريا على طالبان وطالب بالإسراع بالتفاوض معها ، وسمعنا الأخبار تتوالى عن تقدم طالبان وسيطرتها على المدينة تلو الأخرى ، وكتبت صنداي تايمز تقول إن هجمات طالبان تجاوزت الألف هجوم شهريا وأن قواتها على بعد عشرين دقيقة من العاصمة كابول ، وسمعنا قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان الجنرال الأميركي ديفيد ماكيرنان يقول إن الحل العسكري في أفغانستان سيفشل ولا مفر من الحل السياسي والتفاوض مع طالبان.
كل هذه التصريحات والأخبار المتوالية خلال الشهرين الأخيرين تجعلنا نتساءل عن «لغز عودة طالبان». لقد كتبت صحيفة نيويورك تايمز في 31 أكتوبر من العام الماضي تقول إن عدد أفراد قوات حركة طالبان لا يتجاوز العشرة آلاف فرد ، منهم ثلاثة آلاف مقاتل متفرغ و مدرب تدريبا عاليا والباقين انضموا إليهم من الأفغان المفجوعين في أهاليهم وأقاربهم الذين قتلتهم الغارات الأميركية على المدنيين في أفغانستان لكنهم غير مدربين ، في المقابل هناك على الجبهة الأخرى قوات حلف الناتو والقوات الأميركية والبريطانية وقوامهم سبعون ألف فرد ، إلى جانب الجيش الوطني الأفغاني الحديث الذي قيل الكثير عن كفاءته وتدريباته المكثفة وقوامه مئة وعشرون فرد ، أما عن العتاد فلا مجال للمقارنة.
حيث إن طالبان لا تملك لا طائرات ولا مدرعات ولا أية مركبات عسكرية ، كما أنه من المفترض أن طالبان لا تملك أي دعم خارجي ، خاصة بعد دحرها وتشتتها في عام 2001 ، وقد تم بعد عام 2001 إغلاق كافة قنوات الدعم والتبرعات لطالبان ، على حد قول الإدارة الأميركية.
محاولة للتفسير
ألا يعني هذا كله أن هناك «لغزا كبيرا» وراء عودة طالبان وتقدمها وانتصاراتها الكبيرة أمام كل هذه القوة العسكرية الجبارة ؟ لو عدنا سريعا لنشأة طالبان وظهورها على الساحة وسيطرتها على أفغانستان في عام 1996 سنلاحظ غموضا كبيرا وسنواجه بأسئلة محيرة حول قوة هذه الحركة ومن يقف ورائها ويمولها ويدعمها ، وربما يلفت انتباهنا شيئا هاما ، وهو أن «إمارة أفغانستان الإسلامية» تحت حكم طالبان لم يتم الاعتراف بها على نطاق واسع، وأنه فيما تم سحب هذا الاعتراف من الدول التي أقدمت على ذلك، فإن باكستان لم تقدم على تلك الخطوة حتى الآن.
وقد سمعنا مؤخرا خلال العام الجاري مقولات جديدة تنتشر في الأوساط السياسية تحاول التفريق بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة ، وأخبار كثيرة تقول إن طالبان ابتعدت عن القاعدة ولم يعد هناك تعاون بينهما ، هذه المقولات ظهرت بالتحديد خلال الأشهر القليلة الماضية مع تقدم طالبان في أفغانستان ، في حين أنه في التاسع من فبراير الماضي نقلت محطة بي بي سي البريطانية عن مسؤول أميركي رفيع المستوى قوله «إن الملا عمر وبن لادن والظواهري يعيشون معا في كويتا غرب باكستان.
ونقلت المحطة البريطانية عن لسان الناطق باسم طالبان محمد حنيف الذي اعتقلته القوات البريطانية في يناير هذا العام قوله أن الملا عمر وقادة تنظيم القاعدة يعيشون معا في منطقة في باكستان محظور على الجيش الباكستاني الاقتراب منها !!. وفي الأول من مارس من العام الماضي صرح الملا داد الله أحد قادة حركة طالبان للقناة الرابعة في التلفزيون البريطاني بأن بن لادن يقيم مع قادة حركة طالبان في منطقة جبلية على حدود باكستان ، وأنه التقى به هناك عدة مرات.
كل هذه الأمور تدفعنا للتساؤلات ، كيف عادت طالبان الآن بالتحديد و ما سر قوتها؟ البعض من المتهمين بـ «نظرية المؤامرة» والرافضين للرواية الأميركية حول أحداث سبتمبر 2001 يرون أن هناك صلة بين عودة طالبان والأزمات التي تمر بها الولايات المتحدة الآن وقرب خروج إدارة بوش من البيت الأبيض ، ويرون أن العدو المصطنع في الحملة التي بدأت عام 2001 على ما يسمى بالإرهاب الدولي يختفي عندما يراد له الاختفاء ويظهر أيضا عندما يراد له الظهور.
وأن الأزمات المالية في الولايات المتحدة وضعت حدا للدعم المادي للحرب على الإرهاب ، ولهذا تقرر تأجيل هذه الحرب حتى تنفرج الأزمات ويعود اليمين المحافظ للبيت الأبيض ليستنفذ من جديد الأموال في حملة جديدة على الإرهاب الدولي ضد نفس العدو الذي تبين أنه بعد سبع سنوات من الحرب عليه ،أنفقت فيها مئات المليارات ، قد بات أقوى بكثير مما كان عليه عام 2001 !
رفض تعاون روسيا
روسيا سبق أن أبدت استعدادها للتعاون مع قوات التحالف في أفغانستان باعتبار أن لديها خبرة عالية في هذه المنطقة ، لكن طلب روسيا رفض من قبل القيادة الأميركية التي طلبت فقط السماح لقوات حلف الناتو باستخدام أراضي روسيا كترانزيت لطائرات الحلف لنقل العتاد للقوات في جنوب أفغانستان ، هذا في الوقت الذي توجه فيه الإدارة الأميركية الانتقادات الحادة للقادة الأوروبيين لرفضهم إرسال قواتهم المتواجدة في شمال أفغانستان إلى ميدان القتال في الجنوب.
وقال وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس إن حلف الناتو انقسم إلى فريقين أحدهما يقاتل ويكافح الإرهاب والآخر يرفض القتال ، وقال إن هذا يهدد بانقسام وانهيار الحلف.
كيف نفسر الرفض الأميركي للتعاون الروسي في ميدان القتال، في الوقت ذاته الذي تلح فيه واشنطن على دول الناتو بالمشاركة؟
على ما يبدو أن الأوروبيين يعلمون جيدا أن ما يحدث في أفغانستان ما هو إلا جزء من المسلسل الأميركي المزعوم حول مكافحة الإرهاب ، فالجميع يعلم جيدا من أين أتت طالبان ودور المخابرات ألأميركية والباكستانية في تأسيسها ودعمها ، ويعلمون أين ذهبت طالبان بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 ، وكيف عادت أقوى عن ذي قبل ، ويعلمون أيضا أنه لا فائدة من وراء القتال ضد عدو مصطنع يختفي وقتما يراد له الاختفاء ويظهر وقتما يراد له الظهور.
إضاءة
البعض من المتهمين بـ «نظرية المؤامرة» والرافضين للرواية الأميركية حول أحداث سبتمبر 2001 يرون أن هناك صلة بين عودة طالبان والأزمات التي تمر بها الولايات المتحدة الآن وقرب خروج إدارة بوش من البيت الأبيض ، ويرون أن العدو المصطنع في الحملة التي بدأت عام 2001 على ما يسمى بالإرهاب الدولي يختفي عندما يراد له الاختفاء ويظهر أيضا عندما يراد له الظهور ، وأن الأزمات المالية في الولايات المتحدة وضعت حدا للدعم المادي للحرب على الإرهاب.
د. مغازي البدراوي


