قمة واشنطن، المقرر افتتاحها غداً السبت بمشاركة مجموعة العشرين دولة والمخصصة للبحث في الأزمة المالية العالمية تحكمها مفارقة صارخة من جهة هي أعلى تجمع لأهل القرار المقتدرين، ومن ناحية ثانية هي غير قادرة على الخروج بقرارات من العيار الذي تستوجبه علّة الاجتماع.
ليس لأنه لا نيّة للمعالجة، لكن لأن الوصفة غير متوفرة وإذا توفرت فلا إجماع حولها كل جهة تريدها مفصّلة على قياساتها ناهيك عن الجهة المتشبّثة بالقواعد المعمول بها، لأنها ضمنت لها الموقع الممتاز، وهي بكل حال لا تعترف بأن ما كان سائداً هو أصل البلاء الذي أدّى إلى وقوع الزلزال.
من الأساس رافقت نشوب الأزمة حالة من التخبط والارتباك في الساحتين الأميركية والدولية، الانفجار زلزل المركز شظاياه أصابت كل الأطراف ولو بدرجات. حالة نزف مفتوح تنذر بالمزيد من التدهور والمضاعفات. المعالجات التي تمّ اتخاذها من تعويم وضخّ سيولة وتأمين ودائع بدت وكأنها تلهث وراء الأزمة. عامل الثقة بات شبه مفقود واستعصى استرجاعه.
قنوات التسليف عصب النظام المالي، أصابها انسداد شبه تام، على الأثر بدأت تتوالى دعوات «التعاون والتنسيق» الدوليين وبالذات من أوروبا.
في ظلّ هذه الأجواء الحالكة بادر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى طرح فكرة عقد مؤتمر دولي في الأمم المتحدة، للنظر في الأزمة كما في النظام المالي الدولي والإصلاحات المطلوبة بخصوصه، على الفور سارع الرئيس بوش ودعا إلى هذه القمة طرحها بصورة ضبابية.
شدّد على ضرورة عدم المساس بالثوابت مثل قواعد السوق ورفض أية رقابة أو قيود على حرية المبادرة الخاصة المقصود بها كان قطع الطريق على قمة مون الدولية، فهذه الأخيرة هي المدخل لإعادة صياغة نظام مالي دولي جديد، على أنقاض بريتون وودز أو على الأقل إدخال تعديلات جذرية عليه تحوّل لا تطيق إدارة الرئيس بوش حتى التفكير به.
لذلك حرص الرئيس على وضع الدعوة تحت عنوان قمة تشاورية وهي خلت من جدول أعمال، والرئيس ليس في جعبته غير القديم الذي ينعقد شبه إجماع تام على وجوب تجاوزه في اجتماع وزراء مالية الدول العشرين.
في البرازيل قبل أيام سادت الدعوة إلى «بناء هيكلية مالية عالمية جديدة» وإلى خصّ الدول الناشئة بدور أكبر، كذلك دعت «القمة الافتتاحية لمجالس الأجندة العالمية» التي عقدت مؤخراً في دبي إلى «تجديد النظم المالية».
الأوروبيون أيضاً، وبالذات فرنسا وبريطانيا أطلقوا ومن البداية دعوات مماثلة، رسائل وتوصيات عديدة من هذا النوع وضعت برسم قمة واشنطن وتطالبها «بتحديد التوجهات الأساسية لعملية التغيير والإصلاح وبما يتناسب مع مرحلة ما بعد الأزمة. من هذه التوجهات «أن تلتزم الحكومات بالدور المنوط بها في الحماية».
ثمة إقرار واسع وكاسح بحاجة ماسة إلى صياغة جديدة للنظام المالي العالمي. أزمته التي انفجرت في الولايات المتحدة وامتدت إلى سائر أرجاء المعمورة ما زالت تجرجر أخطارها لم تنحسر كلياً بعد أبرزها خطر ركود عالمي غير قصير. العالم لا يقوى على الصمود ثم الخروج من الأزمة، ناهيك بالتحصّن ضدّ تكرارها من دون صمامات أمان جديدة ومضمونة.
بيد أن الحاجة للتغيير المنشود الذي تتقاطع عنده مجمل الردود والقراءات تواجه ثلاث عقبات، تحديات أولها أن واشنطن، بالرغم من أنها كانت صاعق التفجير، تقف بوجه التغيير. الرئيس بوش أوضح ذلك صراحة والرئيس المنتخب، أوباما، لم تصدر عنه إشارات بخلاف سلفه. وكان ملفتاً أنه آثر عدم حضور قمة واشنطن إما لأنه لا يمتلك مشروعه للتعامل مع الأزمة، وإما أنه ليس من المتحمسين للتغيير.
ثانياً، الأوروبيون أنفسهم، بالرغم من طرحهم المبكر لضرورة التجديد، لا يملكون حتى الآن تصوراً متكاملاً ومتوافقاً عليه في هذا الخصوص.
فرنسا تؤكد على التنسيق وأهميته. بريطانيا تدعو إلى تعزيز الرقابة المالية. ألمانيا، تكتفي بشعار التعاون الضبابي. و.. ثالثاً، أن مذهب كلّ يعمل لحماية وإنقاذ نفسه، هو المذهب المعمول به إجمالاً؛ حتى اللحظة.
قمة تجتمع للبحث عن حلول لأزمة، وهي أصلاً في أزمة.
