لعل من القيم الأساسية التي ينبغي تكريسها، في سياق عالم يموج بالصراعات على اختلاف أشكالها، التأكيد على احترام قيمة «الحوار» باعتبارها الوسيلة الأنجع لتجاوز الكثير من المآسي التي يمكن للمرء أن يلمسها جراء تغييب هذه القيمة في حياتنا المعاصرة. غير أن هذا الأمر شيء ومناقشة ما قد تشير إليه هذه القيمة في السياقات المختلفة خاصة السياق الديني شيء آخر.
نقول ذلك بمناسبة تعدد مؤتمرات «حوار الأديان» التي تعقد على المستوى الدولي وآخرها ذلك المؤتمر الذي من المفترض أن يكون قد اختتم أعماله أمس الخميس على شكل قمة دولية تتبناها الأمم المتحدة بمبادرة عربية، وسبقه بنحو أسبوع مؤتمر آخر رعاه الفاتيكان على خلفية القضية ذاتها.
وتكشف المتابعة السريعة لمجريات مؤتمرات «حوار الأديان» سواء ذلك الذي عقد في الفاتيكان أم الذي كانت تجرى الاستعدادات له لحظة كتابة هذه السطور عن أنه إذا كان الطريق إلى «حوار الأديان» مفروشا بالنوايا العربية والإسلامية، فإن الأمر قد يبدو على غير هذا النحو على جبهات أخرى، ما يثير المخاوف من حرف مقاصد هذه المؤتمرات عن أهدافها الحقيقية التي لخصها الملك عبد الله عاهل السعودية، الداعي لاجتماع نيويورك، في تجاوز الانشغال بالتعصب المذهبي والطائفي والديني باعتبار الإنسان شريكا لأخيه الإنسان.
ولأن المجال قد يقتضي تفصيلا ليس هنا مجاله نشير إلى ملاحظات أساسية على مؤتمرات «حوار الأديان» تفسر ما نذهب إليه وتتمثل في محاولة جر هذه المؤتمرات لتتم وفق الأجندة الغربية وليس أجندة مشتركة تعكس في إطارها رؤى الطرف الإسلامي، إلى جانب محاولة التوظيف السياسي لها على نحو يحقق أهدافا بعيدة عن هدفها الحقيقي.
وفي ذلك الصدد نشير إلى احتلال قضية مكافحة «الإرهاب باسم الدين» المرتبة الأولى في اجتماعات الفاتيكان. وفي ضوء حقيقة أن هذا الاتهام يوجه بشكل أساسي إلى العالم الإسلامي فإنه يلقي بالكرة في ملعبه، مع تغييب لجوانب أخرى تتعلق بطبيعة تعريف الإرهاب وغير ذلك من جوانب قد تجعل من هذه المهمة مشتركة وليست ملقاة على طرف واحد دون آخر.
على صعيد آخر، فقد جرت محاولة لا يمكن وصفها سوى بأنها خبيثة عملت على تصوير قمة نيويورك بأنها ليست سوى عمل تطبيعي بين العرب وإسرائيل. وفي ذلك نشير الى ما ذهب إليه داود الشريان في «الشرق الأوسط» السعودية من أن البعض حاول الإيهام بأن المؤتمر ليس سوى بمثابة حوار بين السعودية وإسرائيل، الأمر الذي استلزم توضيحا شبه رسمي على لسان سفير المملكة في لبنان بعدم توجيه أي دعوة لإسرائيل في هذا الصدد.
أما على مستوى الجوهر فإنه ينبغي الإقرار بأن هناك قضايا شائكة ومعقدة تقع في صلب حوار الأديان قد يصعب الوصول إلى تفاهم تام بشأنها وإن كان ذلك لا يعني ضرورة العمل على الوصول إلى أرضية مشتركة بشأنها، الأمر الذي يتطلب إيجاد المناخ الملائم وهو مناخ نعتقد أنه غير قائم للأسف خاصة في السياق الغربي الذي تتزايد فيه أجواء الشحن العنصري والكراهية ضد كل ما هو إسلامي.
قد يكون في النجاح الذي حظي به مؤتمر «حوار الأديان» الأخير ولو على مستوى المشاركة المكثفة من قبل قادة العالم نجاح للدبلوماسية السعودية التي تحرص، بفعل توجهات يعكسها خادم الحرمين أساسا، على تقديم خطاب ديني رسمي مختلف، عن خطاب سابق له بهدف تغيير الصورة النمطية عن المملكة، وهو خطاب يؤكد على قيم التسامح والحوار والبعد عن التعصب، غير أن هذا النجاح يجب توظيفه على مستويات أخرى تتعلق بحالة القضايا التي يتشابك فيها العالم الإسلامي مع الآخر وهو هنا بشكل أساسي الغرب بما له من هيمنة وسيطرة على مقدرات العالم.
ساعتها يمكن التأكيد على أن مثل هذا النوع من الحوارات نجح بامتياز في تحقيق أهدافه، الأمر الذي نأمل أن يلمسه الجميع ولو بعد حين.
