تمثل التعددية عنصرا أساسيا في تكوين الرئيس الأميركي المنتخب باراك حسين أوباما، حيث تجمعت فيه جغرافية العالم القديم مع الجديد، بما يحمله العالمان من مواريث وملامح وإنجازات وأزمات. عائلته تمتد من إفريقيا إلى آسيا ثم إلى أميركا الشمالية، فله في كينيا شقيقة وجدة وأعمام، وله في أميركا شقيقة تحمل جينات اندونيسية، وأم وعائلة وأجداد، وله أيضا عمة تقيم بشكل غير شرعي.

و مثلما يحمل أيضا منهما جينات أبيه وأمه في اللون والعرق والاسم، فانه ورث منهما نصيبا من الثقافة بنسب متفاوتة. وهو مشدود بإرادته أو رغما عنه لهذه الجينات والمواريث، بدليل أن خصومه ينفذون منها للنيل منه، فهي موجودة وان أخفاها.

انه ابن العولمة بامتياز، وابن التداخل الحضاري الثقافي والديني في العصر الحديث بامتياز أكثر. وهو أيضا ابن التعدديات التي تكسو وجه المجتمع الأميركي. لكنه مبرأ من عقدة الزنوج. فأبوه مهاجر حديث، لم يجلبه إلى أميركا تجار عبيد العصور الوسطى، ولم يعمل اجداده في مزارع السادة البيض.

انه لا يمت بأي صلة للجد الأفريقي كونتا كينتي، وإلا ما وصل إلى البيت الأبيض. انه ابن عصره وزمنه. فقد تخرج من هارفارد بينما أبناء قرية كوجيلو التي ينحدر منها أبوه لا يعرفون القراءة والكتابة، بل إن جدته الأفريقية لا تزال تعيش في أحد أكواخ كينيا، فيما يتجه هو للعيش في البيت الأبيض.

على الرغم من أن أوباما ينكر نسبه إلى الإسلام، ويصف نفسه بأنه مسيحي ، الا أنه لم ينكر معرفته به، فحتما حدثته عنه عمته أو أمه أو جدته الإفريقية أو البيضاء وهي تحدثه عن أبيه. وحتما عرفه وربما صلى به مع أقرانه في اندونيسيا التى عاش فيها سبع سنين.

ظروف الانتخابات أجبرته على الإنكار، وسوف يجبر أكثر بعد الانتقال الى البيت الأبيض، بل ربما يمعن في مسيحيته إنكارا لإسلامه، فهو لم يخف أنه يهودي السياسة، ومن الكياسة ان تكون يهوديا أو صهيونيا إذا أردت حكم أميركا. انها قوانين اللعبة التي قبل بها إلى حد الاحتراف والاعتراف علنا بأن إسرائيل معجزة الله في الأرض. لذا فمن الخطأ النظر الى أوباما وكأنه المهدي المنتظر. ربما يكون هو المخلص، ولكن فقط للأميركيين من محنتهم الاقتصادية، ومن عقيدة المحافظين الجدد.

لقد انتخب الأميركيون أوباما من دون خشية من تعدديته، مثلما انتخب الفرنسيون ساركوزي، وهو ابن مهاجر، لان المجتمعات الحديثة قائمة على التجدد عبر التعدد، وقادرة على إعادة تدوير المهاجرين، كما أنها لاتخشاهم ان كانوا أفرادا أو رؤساء، لأن الدولة عندهم تديرها مؤسسات، وليست دولة الزعيم الملهم. لكن هذا لا يعني إلغاء دور الرئيس الفرد في دولة المؤسسات.

ظاهرة أوباما أنتجتها العولمة بآلياتها، ورعتها الأمركة بذاتيتها، ثم قدمتها الى العالم الذي شاهدها. وكانت الجماهير المستضعفة تصفق له من دون أن تدقق في التفاصيل.

المهم عندها ان ينجح ثم لكل وقت حديث. لقد عرف الأعلام الأميركي كيف يلهب الأمنيات المتأججة، لذا ارتاح الناس لسقوط المنافس جون ماكين، فهو رمز العولمة الاستعمارية في فيتنام والعراق.

مرحلة أوباما هي الجانب الناعم في العولمة الأميركية، القائمة على التحاور والإبهار الثقافي والعلمي، لذا فان أوباما سيعيد تقديم أميركا إلى العالم من دون انقطاع مع القديم. ان حالة الارتياح التي سادت بانتخاب اوباما كانت خير تعبير عن أزمة العالم مع أميركا ومع نفسه، وتكشف حجم التداخل والتبعية.

فالانتخابات جرت وكأن الصناديق الأميركية مفتوحة للعالم كله. وهذا هو المأزق الحقيقي الذي ينغمس فيه العالم يوما بيوم في ظل عولمة تطحن الضعفاء لحساب الأقوياء، عولمة صنعت من باراك أوباما رئيسا، وفي ذات اللحظة قذفت بمئات الآلاف من أبناء جيله وجلدته إلى براثن البطالة والفقر والجوع.

والدائرة ستتسع بفعل سياسات مستقبلية تخرج من بين يدي إدارته، لأن اللغة التي تحكم العالم لا تعرف التوقف عند أمنيات الضعفاء، وإنما تعمل فقط في اتجاه واحد لحساب الأقوياء، وتميز بين الناس على أساس اللون واللغة والدين، من دون أن يشفع لها أنها انتخبت باراك أوباما.