يقول المفكر الأميركي جون اسبوزيتو في كتاب جديد صدر له مؤخرا تحت عنوان «من يتحدث باسم الإسلام» إن المسلمين يكافحون من أجل اعادة صياغة تراثهم الديني ضمن عالم حديث علماني ما يفرز أمامهم عدة تحديات يعرض لبعضها بالتفصيل والمناقشة.
ومن بين التحديات التي نراها في الصدد ذلك التحدي الذي يواجه حجاب المرأة المسلمة الذي دخل مرحلة جديدة من الجدل بفعل تحوله الى موضة على نحو يتجاوز كونه أمرا شرعيا دعا الدين اليه. ليس المجال هنا مجالا للدخول في جدل فقهي حول ماهية الحجاب وصفاته ومتطلباته الدينية وإنما لفت النظر الى التحول الذي انتاب ما استقر عليه الدين و«التقاليد» بأنه واجب إسلامي يجب على الفتاة والمرأة الالتزام به.
وقد عبر تلفزيون «روسيا اليوم» عن جانب من هذا التحدي حين أشار في موضوع له حول الأزمة التي تواجهها الفتاة المسلمة لاختيار زيها في بلد غير إسلامي الى أن التحدي الذي يواجه مثل هذه الفتاة هو كيف وأين يمكن لها وهى تتمسك بقواعد الشريعة شراء ملابس تبرز جمالها من جهة وتتطابق مع الشريعة من جهة أخرى رغم أن مفهوم الحجاب في بعده الديني إنما يتمثل في العمل على عدم إبراز مفاتن المرأة أو بمعنى أصح جمالها، ما يشير هنا الى أن المأزق ليس فقط في البيئة التي تحياها تلك الفتاة المسلمة وإنما كذلك في فكر هذه الفتاة، أو منظورها.
على الخلفية ذاتها تزايد الجدل في إحدى جامعات الكويت بشأن ما وصفته الأنباء ب«الحجاب أبو نفخة» وهو حجاب يأخذ أشكالا وأحجاما كبيرة حيث احتج طلبة عليه بدعوى أن الموضة التي تتبعها الطالبات اللاتي يرتدين هذا الحجاب ما هي إلا بدعة فكان منشورا يتوعد من ترتديه بدخول النار.
واذا كان المطلوب هو ان ترتدي المرأة المسلمة زيا لا يصف مفاتن الجسد ويستر الجسم، فإن الحجاب العصري حسب الباحث الاجتماعي العراقي كريم اللامي يشذ عن القاعدة في احايين كثيرة وأصبح وسيلة من وسائل عرض مفاتن المرأة وجمالها حتى عاد الحجاب يصمم بأشكال وألوان مثيرة للانتباه وجاذبة للنظر، بل أصبح مرادفا لأدوات التجميل الأخرى فيما يأخذ من وقت ومن تكلفة.
وفي هذا الصدد ووفق تحقيق نشره أحد المواقع الإلكترونية حول الحجاب كموضة فقد انتابته تحولات عديدة، انعكست في الأشكال المختلفة التي أصبح يتم ارتداؤه في سياقها ما يبعده عن هدفه الحقيقي. وحسب التحقيق، وبعيدا عن الهدف من نشره على هذا الموقع بالتحديد، فإن الموضة السائدة في الغرب أن أغلب الفتيات يرتدين الحجاب مع الجينز الضيق، وحينما تُسأل الفتاة عن ذلك يكون ردها أنها مسلمة ويجب عليها ارتداء الحجاب باعتباره تعبير عن شخصيتها.
وننقل عن التحقيق إشارة الدكتور أحمد السامح في مقال له بجريدة كويتية الى أن هناك منافسة في التفنن في طريقة وضع الحجاب واختيار خاماته وألوانه التي تتماشى مع الملابس وشخصية المرأة في ظل ابتكار مسابقات خاصة بالمحجبات على غرار مسابقة «ملكة جمال الحجاب» التي أطلقتها الدانمارك أخيرا وساهمت في زيادة الإقبال على تلك التصاميم. وهنا فإنه مما يبعث على الغرابة أن غربيات ومنهن على سبيل المثال هولنديات، حسب التحقيق، تحولن إلى الإسلام وصرن أكثر التزاما بالحجاب من مسلمات في الأصل.
لعل من أبرز الدلالات التي يمكن التأكيد عليها جراء هذا التحول أن الحديث عن تزايد التدين اعتمادا على مؤشر ارتفاع نسبة المحجبات يعد مؤشرا خادعا، وأن هناك أزمة تواجه الالتزام بالتعاليم الدينية أيا كانت في ظل ظروف العصر التي نحياها، تعكسها المقولة التي صدرنا بها هذه السطور، وهو ما ينعكس في التحايل على هذه التعاليم ما قد يصرفها عن مضمونها الحقيقي، الأمر الذي قد يلقى تشجيع جهات متعددة محلية ودولية على أساس أن في ذلك تفريغا للمشروع الديني من محتواه ما قد يأتي على خلفية أهداف مختلفة حسب الجهة التي تساند وتدعم ذلك التحول.
