في كتابه (نصر بلا حرب) نصح الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون الأميركيين بعدم التخلي عن التفوق العسكري عالميا تحت أي ظرف، مشيرا إلى أن التفوق الاقتصادي لا يغني بأي حال عن التفوق العسكري، لأن موازين القوة العسكرية هي التي تحكم العلاقات الدولية. وضرب مثالا على ذلك باليابان، فقال إنها تمتلك قوة اقتصادية هائلة، لكنها لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة في نفوذها الدولي. وبالمناسبة هذا الكتاب ترجمه إلى العربية - نظرا لأهميته الإستراتيجية - وزير الدفاع المصري الراحل المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة.
الآن يقبل الأميركيون على نصيحة نيكسون بإخلاص، لإلحاق اكبر قدر من الضرر الاقتصادي باليابان. ففي خضم الأزمة المالية العالمية تبرز اليابان اليوم كقوة اقتصادية ناجية نسبيا من مخاطرها، فلم تتأثر كغيرها من الاقتصادات الغربية.
وهذا قد يفسر - إلى حد ما - الصعود المتنامي للين أمام الدولار وغيره من العملات العالمية. إذ في الوقت الذي تعاني فيه الولايات المتحدة من أزمة مالية طاحنة، فان الدولار يصعد أحيانا أمام اليورو والجنيه الإسترليني، ويهبط غالبا أمام الين. ويحدث هذا على الرغم من أن الاقتصاد الأميركي ليس أحسن حالا من الأوروبي.
والملاحظ أن الين الصاعد يتعرض الآن لما تعرض له اليورو منذ نهايات العام 2007، وحتى الإعلان عن الأزمة المالية الحالية في سبتمبر الماضي. فقد شهدت تلك الشهور الماضية صعودا متواصلا لليورو وسط إصرار أميركي على تخفيض قيمة الدولار، مما ساهم في رفع أسعار المنتجات الأوروبية في مقابل مثيلاتها الأميركية.
ومع هذا الارتفاع المتواصل ارتفعت أيضا أسعار النفط فتحملت أوروبا فاتورة باهظة على صعيدي الاستيراد والتصدير، فيما استفاد الاقتصاد الأميركي من خفض الدولار. وكان من نتيجة هذه السياسة أيضا أن الاقتصادات الأوروبية عانت من إرهاق أدى إلى بطء في النمو، حتى وقوعها في الأزمة المالية.
هذا السيناريو يبدو أنه يطبق اليوم بحذافيره تجاه اليابان، اذ يتم تصعيد الين في مقابل العملات الأخرى، فترتفع بالتالي أسعار المنتجات اليابانية في الأسواق العالمية، في الوقت الذي تنخفض فيه أسعار المنتجات المنافسة، مما ينعكس سلبا على المنتجات اليابانية.
ومع استمرار هذه السياسة لفترة طويلة في ظل انكماش الطلب العالمي يتم إرهاق الاقتصاد الياباني، فتبدأ صادراته بالتراجع تدريجيا لحساب منافساتها. ومع توالي الإرهاق يتراجع الإنتاج مما قد يدخل الاقتصاد الياباني في طور جديد ومعقد من الأزمة، لتنعكس النتائج بالتالي على الاقتصادات الآسيوية المرتبطة به.
إن هذه المتغيرات جزء من نتاج الهيمنة الأميركية العنكبوتية على النظام الدولي. لأن الهيمنة الاقتصادية ولدت من رحم القوة العسكرية بانتصار الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، فذلك الانتصار مكنها من إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي بتأسيس منظمات دولية تخضع لسيطرتها وتدين لها بالولاء الكامل، وفق اتفاقية برايتون وودز.
وهذا النظام هو ما تحاول القوى الدولية المنافسة التفلت منه الآن، تحت شعار إصلاح النظام المالي العالمي، أي إصلاح مؤسسات برايتون وودز المتمثلة في: صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية. وتستند إلى الأزمة الحالية كدلالة على فشل النظام الحالي، وتعتبرها فرصة تاريخية متاحة لإمكانية تعديل موازين القوى العالمية.
وترى هذه القوى أنه لن يتحقق أي تعديل عسكري أو سياسي أو اقتصادي على الصعيد الدولي، إلا من خلال إصلاح الخلل في موازين القوى الاقتصادية كمرحلة أولى عاجلة، يتم بعدها الانتقال إلى تعديل المؤسسات الدولية الأخرى مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرهما، وذلك حتى لا يستمر اختطاف الولايات المتحدة للنظام العالمي، معتمدة على المؤسسات التي توجه بها السياسات العالمية، وفي مقدمتها النظام الاقتصادي الدولي.
وما لم تتمكن القوى الدولية الصاعدة من انتهاز هذه الفرصة التاريخية لتعديل الموازين العالمية، فإن الهيمنة الأميركية ستظل عبئا ثقيلا على العالم لفترة طويلة مقبلة