يتوافد عدد كبير من الأطفال من أصول جزائرية على مدارس اللغة العربية مما أثار اهتمام الكثيرين من الجزائريين والفرنسيين على السواء. ويدفع أولياء الأمور بأبنائهم إلى أقسام خاصة باللغة العربية منها ما ترعاها وتمولها الجزائر ومنها ما فتح بمبادرات من أشخاص مقيمين بفرنسا يحسنون العربية أو قدموا إليها خصيصا لتعليم أبناء الجالية في بيوتهم أو في محلات استأجروها. وحاول الكثيرون سواء عبر الصحافة أو من خلال المنتديات تحليل الظاهرة وأسبابها وأبعادها وتعددت المواقف بشأنها لكن كل ما كتب وقيل يبقى في مرحلة التشخيص والملاحظة.

وبحسب المتتبعين فإن الاندفاع نحو تعلم اللغة العربية في أوساط الجالية الجزائرية بفرنسا تضاعف عدة مرات في الأعوام الثلاثة الأخيرة، حتى صار «موضة» على حد تعبير إلهام وهي شابة في الرابعة والعشرين تقيم بحي «ميني مونتان» بباريس، وزارت الجزائر مؤخرا لأول مرة منذ 18 عاما. قالت إلهام إن ثمة ميلا عاما لدى الجالية لتدريس أبنائها اللغة العربية والكثيرون يريدون أن ترفع الجزائر حضورها في مجال التعليم على الأرض الفرنسية من خلال فتح مدارس خاصة بتعلم العربية.

متعة الاكتشاف

يلتحق بشير وهو مراهق في الثالثة عشرة من العمر منذ نحو عام مرتين في الأسبوع بمدرسة في مرسيليا لتعلم دروس اللغة العربية وصار الآن يعرف الكتابة والقراءة وهو مسرور بما أنجز. وقال في مقابلة مع إذاعة محلية إنه وجد اللغة العربية جميلة، وإنه صادف صعوبات في البداية كاد معها أن يتوقف عن الدراسة، لكن عائلته شجعته على المواصلة ، حتى أن والده كان يمنحه نقودا عن كل حصة يحضرها وكان يسأله عن دروسه العربية أكثر مما يسأله عن دراسته العادية في المدرسة الفرنسية.

وقال إنه الآن يجد متعه وهو يقرأ ويكتب بالعربية. وفي ذات الصف يدرس سعيد ابن الثانية عشرة الذي ينحدر والداه من ولاية تلمسان بأقصى غرب الجزائر على الحدود مع المغرب، ويجد هو الآخر متعة في الدراسة وقال إنه يكتشف في العربية كل يوم عالما جديدا.

أما عقيلة المولودة بباريس قبل 17 عاما فتتابع الدراسة منذ نحو ثلاث سنوات. وتمنت تعلم اللغة الأصلية لتشمل الأمازيغية إلى جانب العربية على اعتبار أن عائلتها تنحدر من منطقة القبائل الكبرى في ولاية سطيف. وقالت بأنها سعيدة لأنها تعلمت العربية، وتتمنى أن تشمل المبادرات الساعية لتعليم اللغة الأصلية فتح فروع للغة الأمازيغية كون عائلتها تنحدر من منطقة القبائل الصغرى بولاية سطيف ثاني أكبر ولايات الجزائر سكانا.

وقال فريد دربال وهو معلم اللغة العربية للمبتدئين «ظاهرة الإقبال على دراسة العربية في السنوات الأخيرة تستدعي الدراسة»، ولاحظ أن عددا كبيرا ممن يلتحقون بالأقسام العربية يكونون في البداية جاهلين تماما ولا يعرفون حتى اللهجة الدارجة الجزائرية وهم يتحدثون الفرنسية بفعل تأثر المحيط الخارجي الذي يتغلب في كثير من الأحيان على المحيط العائلي الضيق.

وقال«المعلم يتعب كثيرا لأنه مدعو لعدة عمليات مركبة ومعقدة لتوصيل الفكرة إلى التلميذ حيث يجب التكرار واستخدام الإشارة والاستعانة أحيانا بترجمة الكلمة أو الجملة إلى الفرنسية لإيصال المعنى. لكن الترجمة كما تنفع يمكن أن تضر لأن الطفل يجب أن يتعلم العربية مستقلة وليس عبر لغة أخرى وإن كانت التي يحسنها ويفضل استعمالها».

وخاض ربيع وهو خريج معهد الأدب العربي بجامعة الجزائر، تجربة جيدة في مجال تعليم اللغة العربية لأبناء الجالية الجزائرية. وبدأ بتدريس أبنائه لغتهم الأصلية في البيت ثم وسع الدائرة إلى الجيران من أبناء بلده، واكتشف عالما جديدا يأبى مفارقته.

ويقيم ربيع بفرنسا منذ أكثر من عشرين عاما وكان قد ابتعد عن أجواء التعليم تماما وتفرغ للتجارة وإدارة مقهى في باريس لكن تعليم الأطفال أعاد له الحنين إلى توظيف تحصيله الأدبي، وصار يفكر في تأسيس مكتبة وناد أدبي بباريس.

البحث عن الذات

وسألنا مهدي رحال وهو أخصائي مغربي في دراسة شؤون الجالية في فرنسا عن دوافع إقبال الأطفال الجزائريين بكثافة على تعلم اللغة العربية في السنوات الأخيرة، فقال «إنه بحث عن الذات» وأكد أن الأمر لا يخص الجزائريين وحدهم فثمة آلاف من الأطفال من أصول مغربية وتونسية تلتحق بأقسام التعليم العربي، هو إذن سلوك عام تمارسه عائلات المغتربين من بلدان المغرب العربي لربط أبنائها بأصولهم .

وأشار في معرض تحليله للوضع الى أن معظم المغتربين لايحسنون لغتهم الأصلية قراءة وكتابة فالجيل الأول منهم يتشكل من عمال بسطاء قصدوا المهجر لكسب لقمة العيش والأجيال التي جاءت فيما بعد إما بلا تعليم أو أنها تلقت قدرا من المعرفة باللغة الفرنسية. واليوم يوجد آلاف من الفرنسيين من أصول جزائرية ومغربية وتونسية يقبلون على تعلم العربية وكأنما هم يفتشون عن شيء افتقدوه... هم يدركون أنهم فرنسيون من نوع آخر ويكرسون تميزهم.

وفسر الظاهرة أيضا بكونها رد فعل على «عنف ثقافي» مارسته السلطة الفرنسية والمجتمع الفرنسي ألحق ضررا معنويا بهذه العائلات خاصة ما تعلق بوضع قيود على حرية اختيار اللباس بالنسبة للفتيات.

فقد أعطى قرار منع ارتداء الحجاب لهذه العائلات عموما دليلا بأن أبناءها ليسوا فرنسيين وإن حملوا الجنسية الفرنسية. وعليه كان البحث عن الذات الحقيقية والهوية الحقيقية وليس ذات الأوراق الثبوتية التي يحتاج فقط لإظهارها أمام رجال البوليس.

إضاءة

معظم المغتربين لايحسنون لغتهم الأصلية قراءة وكتابة فالجيل الأول منهم يتشكل من عمال بسطاء قصدوا المهجر لكسب لقمة العيش والأجيال التي جاءت فيما بعد إما بلا تعليم أو أنها تلقت قدرا من المعرفة باللغة الفرنسية. واليوم يوجد آلاف من الفرنسيين من أصول جزائرية ومغربية وتونسية يقبلون على تعلم العربية وكأنما هم يفتشون عن شيء افتقدوه.

الجزائر ـ «البيان»