«لسنا فئران تجارب.. نحن بكامل صحتنا».. هذا ما قاله أحمد ومحمد المتطوعان في الدراسات الدوائية مقابل مكافآت مالية تسد احتياجاتهما الدراسية والمعيشية، مؤكدين أنه لم يلحق بهما أي ضرر جراء خضوعهما لهذه الدراسة.
وسواء كان ما تحدث به المتطوعان لـ «البيان» حقيقة أم أمنيات، إلا أنهما أشارا أيضا إلى أن «سوء أحوالهما الاقتصادية لم يترك لهما بديلا سوى خوض تلك التجربة مهما كانت النتائج». ويروي الشاب أحمد ل«البيان» قصته مع 5 دراسات دوائية متتالية خضع لها مقابل مكافأة مالية تتراوح بين 120 و 150 دينارا أردنيا عن كل دراسة.
ويضيف ان الذي دفعه لهذا العمل هو مرض والدته التي تعمل في احد المستشفيات، مشيرا إلى أن والده عاطل عن العمل ولديه شقيقان أحدهما يدرس في جامعة خاصة. وأشار إلى انه لم يبلغ أحدا من أهله انه يشارك في هذه الدراسات لأنه يعرف مسبقا ردهم، مطالبا الجهات المسؤولة «برفع قيمة المكافأة التي يتقاضونها بسبب ارتفاع الأسعار التي تشهدها الأردن».
فيما يوضح محمد وهو ممرض يعمل في أحد مستشفيات القطاع الخاص أن السبب الرئيسي في التحاقه كمتطوع في الدراسات الدوائية هو الأوضاع الاقتصادية السيئة. يقول: كان أمامي خياران هما السرقة أو التسول، فاخترت الطريق الثالث وهو التطوع في الدراسات الدوائية. ويعترض محمد وأحمد على إطلاق تعبير «فئران تجارب» على المتطوعين في الدراسات الدوائية. ويفضلون مصطلح «دراسات دوائية» بدل «تجارب دوائية».
«البيان» فتحت الملف مع المختصين الذين تحدثوا حول الأعراض الجانبية التي يمكن أن يتعرض لها المتطوعون، والآلية التي يتم من خلالها اختيار المتطوع وخضوعه لأكثر من دراسة، كذلك المقابل المادي الذي يتقاضاه المتطوع وتخوفهم من أن تكون تلك الدراسات مجال مهنة يمتهنها المتطوعون دون ضوابط خاصة بعد أن أثارت قضية التجارب الدوائية على الإنسان جدالا واسعا حول قانونية وأخلاقيات إخضاع متطوعين لتجارب دوائية من أجل قياس جودة الأدوية المنتجة محليا.
وأكدت مراكز الدراسات الدوائية الأردنية والعربية التزامها بضمان حقوق المتطوعين بإبرام عقد تأمين على حياتهم أثناء الدراسة «نظير مكافآت مالية» ولكن هيئات المجتمع المدني تشدد على رفض إجراء تجارب دوائية على بشر مهما كانت الأسباب.
وقال مدير عام المؤسسة العامة للغذاء والدواء الدكتور محمد الرواشدة إن مؤسسة الغذاء والدواء ضد امتهان الشباب الدراسات الدوائية، بحجة الفقر أو البطالة، لافتا إلى ان المؤسسة تزود المراكز الدوائية عبر موقعها الإلكتروني بأسماء الممتهنين في تلك الدراسات، وتستبعد من شارك في الدراسات مدى الحياة، إذا تبين انه تعاطى المخدرات.
وتؤكد مصادر طبية مطلعة على وجود أشخاص يقومون بإدخال أرقام إخوتهم الوطنية إلى الموقع الإلكتروني التابع لمؤسسة الغذاء والدواء، ويقومون بإجراء أكثر من دراسة في ذات الوقت حتى أن هناك شابا توفي العام الماضي من جراء إجراء ثلاث دراسات في ذات الوقت. وكشفت ذات المصادر عن إدمان بعض المتطوعين على نوعية معينة من الدواء وخاصة الأدوية المضادة للاكتئاب.
ولكن هذا ما نفاه الدكتور محمد الرواشدة قائلا: «إن مراكز الأبحاث السبعة عشر في الأردن أصبح لديها مجموعاتها الخاصة وتعرف الأشخاص جيدا، وأنه لا يوجد هناك مجال للعب في هذا الموضوع».
وفيما يتعلق بتعاطي المخدرات للمتطوعين أوضح أن مؤسسة الغذاء والدواء وبالتعاون مع مكافحة المخدرات تنبهت لهذا الموضوع ووضعت قائمة سوداء تضم جميع الأشخاص الذين توجد لديهم قيود تعاطي مخدرات أو إدمان كحول بحيث يرفض أي طلب لشخص يتعاطى المخدرات . وأوضح الرواشدة أن أحد هؤلاء تقدم بطلب للدخول في دراسة وفعلا عن طريق قاعدة البيانات المتوفرة في المؤسسة استطاعوا أن يكتشفوا مراده. وبين أن المؤسسة كإجراء احترازي تقوم بطلب إجراء فحص دم لكشف الأشخاص المتعاطين للمخدرات أو الكحول.
وفي ذات الوقت كشف الرواشدة عن أن بعض المتطوعين يتعاطون المخدرات بعد الدراسة وذلك بعد حصولهم على الأموال. وأكد الرواشدة أن مؤسسة الغذاء والدواء تراقب جميع الدراسات الدوائية على المشاركين، لافتا إلى «توجه جدي نحو إشراك الإناث في الدراسات الدوائية، أسوة بالذكور، يسبقه توعية المجتمع بفوائد الدراسات».
وقال أستاذ علم الأدوية بكلية العلوم والتكنولوجيا وعضو لجنة الدراسات الدوائية الدكتور حاكم الحديدي لـ «البيان» إن آلية اختيار المتطوعين، تتم عبر نشر إعلان طلب متطوعين يقوم به مراكز الدراسات، فيأتي المتطوع ويجرى عليه عدد من الفحوصات اللازمة للتأكد من أن وضعه الصحي سليم لإجراء الدراسة عليه، وبين الحديدي أن هناك قانونا صارما يطبق على جميع الدراسات لضمان حق المتطوع. وأضاف لا يوجد دواء يخلو من الآثار الجانبية، لكن هذه الآثار معروفة للباحثين ويسهل التعامل معها، مؤكدا أن الدراسات التي تستخدم فيها مضادات حيوية تأثيراتها الجانبية بسيطة.
قيمة المكافأة
من جانبها أوضحت الدكتورة وفاء الخطيب الباحثة بالمؤسسة العامة للغذاء والدواء ل«البيان» أن مؤسسة الدواء والغذاء تفضل عدم رفع قيمة المكافآت التي يحصل عليها المتطوعون حتى لا يكون الهدف هو جمع المال وتتحول العملية إلى مهنة يمتهنها المتطوع، مؤكدة على ان قيمة هذه المكافآت توازي تقريبا المكافآت التي يحصل عليها المتطوع الأجنبي.
وبينت أن كل جهة تطلب إجراء الدراسة الدوائية لصالحها، يجب أن تعد مخططا للدراسة وإبرام عقد تأمين صحي لدى إحدى شركات التأمين العاملة في المملكة، لتغطية الأضرار التي تجرى على الإنسان. وأشارت إلى أن العمل في حقل الدراسات السريرية يتسم بالكثير من القيود والضوابط وتحكمه المواثيق والأعراف والمبادئ الطبية والعلوم الأساسية وتراقبه المجالس والهيئات المتخصصة ولا يبدأ بإجرائه إلا بعد الحصول على الموافقة من الهيئات المختصة.
رأي القانون
واتهم عدد من المتطوعين فضلوا عدم ذكر أسمائهم مراكز الدراسات والأبحاث في الأردن بعدم التقيد بالأنظمة و«البروتوكولات» المتبعة. وقالوا ان هذه المراكز تقوم بتوقيع المتطوع على ثلاث نسخ، لكنها لا تعطيه أيا منها حتى لا يستطيع ملاحقتهم قانونيا في حال تعرضه لمضاعفات غير متوقعة.
وأشار الخبير القانوني في الدراسات الدوائية بـ «فارما كويست جو» للدراسات والبحث العلمي الدكتور كمال السعدي أن مساهمة الإنسان عن طريق خضوعه للدراسات الدوائية مساهمة مهمة في استمرار تطور العلم وصناعة المستحضرات الصيدلانية لصالح البشرية جمعاء.
وقال في تصريح ل«البيان» إن قانون إجراء الدراسات الدوائية الأردني المؤقت رقم 67 لسنة 2001 والقانون المعدل له رقم 44 لسنة 2003، نص على ضرورة التزام الجهات المرخص لها بإجراء الدراسات الدوائية بمقتضى أحكامه، وتطبيق أسس الممارسة الجيدة للفحوصات السريرية والمخبرية.
الدراسات السريرية
وقالت الخبيرة والباحثة الدكتورة مها توتنجي ل«البيان» إن تطوير مفهوم الممارسة السريرية الجيدة في الغرب استغرق ما يقارب من خمسة عقود بينما لم يتعد تطبيقه في الأردن أكثر من 15 عاما بعد إعداد قانون الدراسات الدوائية عام 2001، مشيرة إلى ان العام الماضي شهد إجراء 172 دراسة دوائية، أما العام الحالي من المحتمل أن يصل العدد إلى 240 دراسة، اغلبها لشركات صناعة دواء محلية، مشيرة إلى إمكانية أن تجري المراكز دراسات لصالح دول أخرى.
إضاءة
قال مدير عام المؤسسة العامة للغذاء والدواء الدكتور محمد الرواشدة إن مؤسسة الغذاء والدواء ضد امتهان الشباب الدراسات الدوائية، بحجة الفقر أو البطالة، لافتا إلى ان المؤسسة تزود المراكز الدوائية عبر موقعها الإلكتروني بأسماء الممتهنين في تلك الدراسات، وتستبعد من شارك في الدراسات مدى الحياة، إذا تبين انه تعاطى المخدرات.
عمان ـ لقمان اسكندر
