كيف واجه العرب الأزمة المالية الدولية؟ ليست هذه محاولة لتقديم رؤية ذاتية بقدر ما هي محاولة لرصد ما جرى على هذا الصعيد من خلال المتابعة المتأنية لوقع الأزمة وتأثيرها على عالمنا العربي. وهنا نشير إلى أنه إذا كان من البديهيات التأكيد على أن سبل مواجهة الأزمة - أي أزمة - ترتبط بمدى إدراك تأثيرها فقد يكون من المفارقات في هذا الخصوص الإشارة إلى توجه عربي عام بأن الدول العربية بعيدة عن التأثيرات بالغة السلبية للأزمة.
ونستند في ذلك إلى مواقف وتصريحات عدد من المسؤولين العرب في المجال الاقتصادي أكدوا خلالها على ضرورة عدم المبالغة في تأثير الأزمة المالية على الصعيد العربي، ومنهم الدكتور فؤاد شاكر الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وعدنان يوسف رئيس اتحاد المصارف العربية وكذا محمد التويجري مساعد الأمين العام للجامعة العربية للشؤون الاقتصادية وإن أشار هؤلاء إلى أن ذلك لا يعني الاسترخاء وإنما الترقب والاستفادة من أخطاء الآخرين وسط توقعات بأن تطال تأثيرات الأزمة المنطقة خلال ثلاثة أشهر وليس بشكل آن.
وتستمد هذه الرؤية مصداقيتها بشكل جزئي من حقيقة ضعف عدد من الاقتصادات العربية على نحو يجعل من التأثر العربي بالأزمة بالغ المحدودية وفي ذلك مثلا نشير إلى ما ذهب إليه محلل اقتصادي أردني بقوله إن سر قوة الاقتصاد الأردني في مواجهة الأزمة المالية يكمن في كونه اقتصادا ضعيفا بالأساس.
وإن لم يكن ذلك يعني في أي الأحوال عدم تأثر اقتصاد هذه الدول ففي أسوأ الأحوال فإن المشكلة بالنسبة للأردن وفلسطين مثلا تتمثل في تقليص المساعدات الخارجية من الدول المانحة جراء تفاقم الأزمة بهذه الأخيرة، وهو ما يعني أن دور هذه الدول سيكون سلبيا في انتظار ما تقرره الدول المانحة.
ورغم ذلك فقد ساد قدر كبير من الاتفاق على أن الدول الخليجية ستكون أكثر تأثرا على اعتبار أن هناك استثمارات لصناديق سيادية خليجية في مؤسسات أميركية وأوروبية تعرضت لخسائر ملموسة. وكان التأكيد على أن الثقل سيترتب على البنوك الخليجية التي يتم السماح لها بحرية كاملة للانتقال إلى الأسواق العالمية، مع توقعات باحتمال وصول الأمر إلى خطر الإفلاس جراء امتلاكها لسندات وأدوات الرهن العقاري العالمية.
إزاء ذلك تزايدت الدعوات للدول العربية بالتنسيق فيما بينها على مستوى وزراء المالية والاقتصاد ومحافظي البنوك المركزي للخروج بسياسة موحدة لمواجهة الازمة وغيرها في المستقبل. كما كان من بين المقترحات إنشاء صندوق طوارئ سيادي يضمن عدم التفريط في الأصول المالية الموجودة ويمول من جانب الدول على غرار تجربة مهاتير في مواجهة الأزمة التي لحقت بشرق آسيا.
وفيما يشكل ملامح سياسة عربية عامة لمواجهة الأزمة قررت المصارف المركزية العربية بدء حزمة إجراءات تحوطية للحيلولة دون انتقال تبعات الأزمة المالية إلى القطاع المصرفي العربي من أبرزها ضخ الأموال في النظام المصرفي لمواجهة أي نقص في السيولة وتحديد نسبة التمويل الموجه إلى الرهن العقاري ومراقبة المؤسسات المالية. وقد بدا أثر وفاعلية هذه السياسات ظاهرا للعيان بشكل رئيسي في دول الخليج.
وكانت الإمارات من أكثر الدول إقداما على اتخاذ إجراءات تضمن تجنبها التأثيرات السلبية للازمة وهو ما بدت تأثيراته في عودة الأوضاع الى طبيعتها بفعل هذه الإجراءات في مواجهة حالة القلق التي انتابت الكثيرين في بدايات الأزمة.
وفي ذلك الصدد أكدت الحكومة التزامها ضمان الودائع والمدخرات في المصارف الوطنية وعدم تعرض أي من هذه المصارف لأخطار ائتمان وضمان عمليات الاقتراض بين البنوك العاملة في الدولة. كما قررت الحكومة تحويل 70 مليار درهم إلى وزارة المالية وتكليف المصرف المركزي ووزارة المالية وضع آليات مناسبة لضخ هذه السيولة في القطاع المصرفي ليصل إجمالي المبالغ التي خصصت للهدف ذاته خلال شهر واحد إلى 120 مليار درهم دعما للسيولة المالية في القطاع المصرفي الوطني.
في السعودية تم إقرار خفض سعر الفائدة للمرة الأولى منذ عامين وسط تطمينات بوجود احتياطيات مالية ضخمة يمكن من خلالها من دعم القطاع المصرفي إذا حدثت مشكلة، وفي ظل تأكيدات رسمية في الوقت ذاته على استعداد الدولة للتصدي لأي تأثيرات سلبية قد تمس الاقتصاد الوطني وكذا استبعاد توقع انهيارات مفاجئة للبنوك بفعل وضع السعودية كأكبر مصدر للنفط الذي يتيح لهذه البنوك قدرا من الحماية.
وفي الكويت والتي بدت تأثيرات الأزمة بادية عليها ممثلة في استقالة رئيس مجلس إدارة ثاني أكبر بنك هناك بفعل الخسائر الناجمة عن الازمة فقد بدا أنها تتجه لسياسات عامة لتعزيز اقتصادها على المدى الطويل وهو ما يستنتج من دعوة أمير الكويت الى سن قوانين تحمي الاقتصاد الوطني محذرا من أن الفوائض التي تتكدس بسبب النفط قد تكون مؤقتة وخادعة داعيا إلى تعزيز الجهود لتنويع مصادر الدخل.
وفي مصر ضمن البنك المركزي المصري كل الإيداعات بالبنوك المصرية وسط تأكيد على سلامة إجراءات تم اتخاذها في مرحلة سابقة على الأزمة في التقليل من تأثيراتها على القطاع المصرف منها إيداع الاحتياط النقدي المصري في بنوك آمنة وتنويع سلة العملات بما يتماشى مع المعاملات الخارجية حسب البيانات الرسمية.
أما في اليمن فقد ضخ البنك المركزي 50 مليون دولار لتحسين سعر صرف العملة المحلية في مقابل العملات الأجنبية. أما في سوريا فرغم إقرار وزير المالية السوري محمد الحسين بآثار سلبية للأزمة على الاقتصاد السوري إلا أنه أشار إلى أن هذه التأثيرات محدودة وإن لم يتم الإشارة إلى إجراءات محددة سيتم اتخاذها لمواجهة هذه التأثيرات باستثناء الإشارة إلى سعي الحكومة إلى تخفيف الضرر.
ورغم ذلك فقد بدا أن الأزمة تتطلب سياسات بعيدة الأمد تتجاوز تلك القصيرة التي يتم اتخاذها باعتبارها مواجهة لتطور طارئ ومن ذلك مثلا التأثير السلبي الكبير المتمثل في انخفاض عائدات النفط فقد شهدت أسعار النفط في الأشهر الثلاثة الماضية انخفاضا حادا وسط توقعات بضعف وركود اقتصادي عالمي من شأنه أن يخفض الطلب على النفط وهو ما من شأنه أن يلقي بتأثيرات سلبية على الدول العربية التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على عائدات تصدير النفط.
ومن الملفت للانتباه هنا أنه رغم الهبة الدولية لمواجهة الأزمة، فإنه على المستوى العربي وباستثناء اجتماع وزراء المالية والبنوك المركزية الخليجية في الرياض في 25 أكتوبر، فإنه لم يتم اجتماع على مستوى عال لبحث الأزمة، الأمر الذي لن يتم على مثل هذا المستوى سوى بعد ثلاثة شهور في ضوء الإشارة إلى إدراج الأزمة في أولويات جدول أعمال القمة الاقتصادية العربية المزمع عقدها بالكويت 19 يناير المقبل، وهو ما قد يكون متأخرا كثيرا ويأتي بعد أن تكون تداعيات الأزمة قد فعلت فعلها.
أما على صعيد البورصات فمع انهيار أغلب البورصات العربية جراء الأزمة فقد كان التأكيد العام على المستوى العربي بأن ذلك يعود الى أسباب نفسية، وهو تفسير يبدو بالغ التبسيط رغم صحته جزئيا وهنا نضرب المثل بالبورصة المصرية حيث تشير البيانات الى أن نحو 12 شركة مصرية مثلا تتداول أسهمها في البورصات الأوروبية وتمثل هذه الأوراق 65% من مؤشر البورصة المصرية، ما قد يكون من الطبيعي معه أن تنهار هذه البورصة جراء الانهيار الحاصل في البورصات الأوروبية وليس للعامل النفسي فقط، الأمر الذي ينطبق بشكل أو بآخر على باقي البورصات العربية خاصة الخليجية.
هل يمكن القول بأن الاقتصاد العربي خرج متعافيا من الأزمة وبأقل الخسائر؟ رغم أن الحكم قد يكون مبكرا إلا أنه يمكن القول إنه نجح حتى الآن في تجنب الأسوأ، فيما قد يخفق في تجنب السيئ، بحكم منطق الأمور، خلال الفترة المقبلة في ضوء تشابك الاقتصاد العالمي في ظل العولمة.
مصطفى عبد الرازق

