«لم تمنعه كثرة المواد وصعوبتها من الخروج مبكرا من فصله الجامعي، لم يتوقف في ممرات المبنى ولم يلتفت لأحد، كان همه الوحيد الخروج بسرعة والوصول الى سيارته حتى يتمكن من اللحاق بعمله. هكذا يقضي يومه موزعا بين شخصيتين، ففي الصباح يرتدي شخصية الطالب الطموح الذي لا يفارق كتبه ومقعده الدراسي، بينما يتجرد منها عصرا ليحل مكانها شخصية الموظف الباحث عن لقمه عيشه».

هذا المقطع يعيشه الكثير من طلبتنا وموظفينا، وان بحثنا جيدا سنجد بيننا مئات النماذج ممن نجحوا في التوفيق بين الدراسة والعمل، ليتمكنوا من مجاراة ظروف الحياة بحلوها ومرها. قضية هؤلاء قد تبدو بالنسبة للبعض عادية، ولكنها تختلف بالاقتراب من باطنها، حيث تخفي الكثير من الاسرار التي تجبر الشاب على الانخراط في سوق العمل اثناء وجوده على مقاعد الدراسة، خاصة وان حدود هذه القضية لا تتوقف عند الطالب العامل فقط، وانما تتجاوزه لتصل الى الموظف الذي يقتطع جزءا من وقته لصالح شهادته، وبالتأكيد ان لكل واحد منهم اسبابه اقتصادية كانت أم اجتماعية.

وبلا شك أن المزاوجة بين العمل والدراسة إنما يتطلب اصرارا وعزيمة قوية، وفيه من الصعوبة الكثير تتطلب تطويع النفس وفق ما تقتضيه متطلبات الحياة وظروفها. وقد تكون هذه القضية محل خلاف بين الشباب، ولكل واحد وجهة نظر ينبغي احترامها. يقول الطالب فراس السالم الذي لم يخض غمار هذه التجربة: «بلا شك أن الجمع بين العمل والدراسة أمر صعب، وقلة هم الذين يتمكنون من التوفيق بينهما، لما فيهما من جهد وتعب كبيرين، عدا عن الوقت الذي يحتاجانه، وبالتأكيد الإصرار على الجمع بينهما أمر جدير بالاحترام، فهو يستطيع نيل الشهادة العلمية والخبرة العملية في الوقت نفسه، ما سيوفر الكثير من الوقت الذي قد يهدر خلال البحث عن وظيفة».

ويواصل فراس: «رغم أنني لم أمر بهذه التجربة بعد، إلا أنني احترم كثيرا هذه الفئة بغض النظر عن السبب الذي دعاهم إلى الجمع بين العمل والدراسة». ويؤيده الرأي زميله محمد نبيل الذي علق بالقول: «الجمع بين الدراسة والعمل أمر صعب ويتطلب جلدا وصبرا، ولكن هذا الأمر لا يدوم طويلاً.

فلا بد أن يأتي اليوم الذي تنتهي فيه الدراسة وبالتالي الانتهاء من معاناة جانب واحد والتفرغ للعمل، وبتقديري أن من يستطيع الجمع بينهما هو إنسان قادر على تحمل مسؤولياته الحالية والمستقبلية ويعمل على تعزيز قدرته على تحمل الضغط، الذي أصبح مطلبا للحصول على أي وظيفة».

تأمين المصروف

وعن تجربته والأسباب التي دفعته للانضمام إلى سوق العمل رغم أنه ما زال على مقاعد الدراسة، يقول الطالب أحمد عبيدات: «سبب انخراطي في سوق العمل هو حاجتي لتأمين مصاريفي الشخصية، فانا لا أريد أن أثقل على أهلي في ظل الارتفاع المستمر في مستوى المعيشة والغلاء، في حين أن الرواتب بقيت على ما هي، ويكفي تأمينهم لأقساطي الجامعية».

ويواصل: «في الحقيقة الأمر متعب للغاية خاصة في البداية، لأن لكل واحدة منها متطلباته وعلي الالتزام بها وتأديتها بصورة صحيحة، ولكن الحمد لله استطيع القول إنني تمكنت من التوفيق بينهما وخصصت وقتاً كافياً لدراستي ولعملي أيضا، وعموما فالخبرة التي اكتسبتها في العمل أثرت دراستي وجعلتني قادرا على فهم موادي بصورة أفضل وأسرع».

بالمقابل يقص علينا الطالب سامي عامر الذي يعمل في مجال التصميم الهندسي تجربته فيقول: «اعتدت على الجمع بين الدراسة والعمل منذ عامين تقريبا، وحاليا لم يتبق على دراستي سوى القليل، وفي البداية واجهت صعوبة بالغة في التنسيق بين عملي ودراستي، وقد زاد منها رفض والدي الذي طلب مني مرارا الانشغال بدراستي فقط.

ولكن كان علي أن أقوم بذلك بسبب ضيق الحال، فبالكاد يوفر أهلي أقساطي الجامعية، وهذا الأمر حفزني على تحدي الواقع بالحصول على الشهادة العلمية والعمل في آن واحد، وقد تمكنت من ذلك واستطعت أن أنمي خبرتي العملية والاستفادة منها في دراستي». بالمقابل علق الطالب منير محمد الذي خالف زملاءه الرأي بالقول: «بغض النظر عن الأسباب التي تدفع الطالب إلى العمل.

وبالنسبة لي لا أحبذ هذه الفكرة أبداً، لأنه يجب على الطالب الاهتمام والتركيز على دراسته في المقام الأول، وعدم الانشغال بأمور أخرى كالعمل، خاصة وأن العمل والدراسة يقومان على معادلة توازن صعبه تحتاج إلى تركيز واهتمام عال والإخلال بواحد منهما سيؤثر بالتأكيد على الآخر، وهنا يكون التحدي أمام الطالب أو حتى الموظف الدارس».

تحسين الوضع

الأمل بتحسين «الوضع» أو زيادة راتب الوظيفة، أجبر العديد من الشباب على العودة مرة أخرى إلى مقاعد الدراسة بعد تركهم لها لسنوات عدة، ومن هؤلاء يوسف أبو نوار الذي قال: «أجبرني سوء الوضع المادي على التوقف عند حدود الدبلوم، والتوجه للعمل في سلك التدريس، ولكن مع التطور التكنولوجي وتسارع الحياة لم تعد شهادة الدبلوم تعني شيئاً، وأصبح يتعين على الموظف الحصول على شهادة أعلى لتحسين دخله الشهري، وهذا ما أجبرني على العودة إلى الدراسة مرة أخرى، وحالياً أحاول جاهداً التنسيق بين عملي ودراستي وبيتي، فالأمر صعب للغاية».

وأعربت آية محمد عن طموحها في زيادة دخلها الشهري من خلال الحصول على شهادة جامعية تمكنها من ذلك، حيث قالت: «درست تخصص المحاسبة في إحدى الكليات، ولكني لم أستطع المواصلة بسبب الوضع المادي، الأمر الذي أجبرني على العمل في إحدى الشركات الخاصة، وقد وعدتني الشركة بزيادة راتبي الشهري في حالة حصولي على شهادة البكالوريوس، وهذا ما شجعني إلى العودة مرة أخرى إلى الكتب وأروقة الجامعة، ولا أنكر أن التوفيق بين العمل والدراسة صعب، ولكن في النهاية يبقى هناك ما يستحق التعب».

غسان خروب