بذاكرة حاضرة ومتدفقة يقف بنا الدكتور رمضان شبير عند فترة فارقة من بدايات العمل الطبي في دولة الإمارات العربية المتحدة وبالتحديد في إمارتي دبي ورأس الخيمة، وفي الوقت نفسه يعرج في حديثه ليذكر بعض التفاصيل التي كانت تتسم بها الحياة الاجتماعية والاقتصادية آنذاك، ليبين مدى تأثير الفكر المجتمعي العام في عملية تقبل الناس للطب الحديث والتعاطي معه بأريحية، يقول: بدايات عملي في مجال الطب كانت من خلال وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين في «الأونروا»، ثم عملت بمستشفى دار الشفاء ومستشفى النصر بمدينة غزة ومستشفى ناصر بمدينة خان يونس، ثم قادتني الصدفة أنا وزميل لي للتعاقد مع وزارة الصحة بدولة الكويت، وبتاريخ 28 - 2 - 1963 وصلنا للكويت.
وفي اليوم التالي توجهنا لمبنى الوزارة وقابلنا وكيلها آنذاك يوسف جاسم الذي خيرنا بين العمل في الكويت أو السفر إلى دبي للعمل ضمن البعثة الطبية الكويتية، وبعد لحظات تردد وجيزة اقتنعت أنا وزميلي، وقمنا بعمل الكشف الطبي وإجراءات التعيين ثم الحصول على تأشيرة الدخول إلى دبي من السفارة البريطانية في الكويت. في صباح يوم الخميس 7 - 3 - 1963 أقلعت بنا طائرة كويتية صغيرة من مطار الكويت ووصلنا إلى مطار دبي في حوالي الساعة الثانية ظهراً، كان مطار دبي في ذلك الوقت يقع ضمن الجزء المخصص لقرية الشحن حالياً، وكان يوجد مبنى صغير لموظفي الجوازات والجمارك ولا يوجد سور حول المطار كما لم يكن هناك مدرج لهبوط الطائرات.
وأذكر أن الطائرة هبطت بنا على أرض ترابية سبخة صلبة وداكنة اللون، وعند أسفل الطائرة كان يجلس أحد الموظفين من أبناء دبي ليختم جوازات السفر بعد الاطلاع عليها، وعلى مسافة غير بعيدة من الطائرة كانت تقف بضع سيارات لاندروفر لنقل الركاب من المطار إلى داخل المدينة، على أرض المطار قابلنا سكرتير مكتب الكويت عبد الله الطائي وأقمنا بصفة مؤقتة في إحدى غرف مستوصف الكويت بديرة، وهذا المستوصف يتكون من عدة مبان تبرع بها كل من جمعة الماجد ومحمد عبد الله الكاز في منطقة بورسعيد مقابل مبنى بيبسي كولا القديم، شارع المكتوم حاليا، وفي صباح يوم السبت 9- 3- 1963 أرسل لنا مكتب الكويت سيارة لاندروفر أقلت زميلي لمستوصف الكويت بمدينة عجمان، بينما تم إرسالي إلى مدينة رأس الخيمة لأستلم عملي هناك.
وبالمناسبة قد كنت أول طبيب والوحيد الذي يقيم في رأس الخيمة، واستغرقت الرحلة من دبي إلى رأس الخيمة سبع ساعات، وعند وصولي استقبلني الموظفون هناك على مائدة الغداء فهالني للوهلة الأولى تجمع الذباب على الطعام فتذكرت على الفور بيت شعر كنا نردده في المرحلة الابتدائية يقول: إذا وقع الذباب على الطعام - رفعت يدي ونفسي تشتهيه، وبالفعل كنت أشتهي الطعام ويكاد يغمى علي من فرط الجوع، لكنني اكتفيت بحبة موز فقط. أقمت في سكن مخصص لطبيب المستوصف لكنني لا أخفي أبدا شعوري بالغربة خصوصا وأن مدينة رأس الخيمة كانت نائية ولم تكن وسائل المواصلات منها وإليها متاحة كما هو الآن، المهم أنني باشرت عملي بالمستوصف، وفي أول يوم دخلت علي امرأة تحمل طفلها المريض وراحت تحدثني بلغة لم أفهمها فاستنجدت بأحد الموظفين الذي راح يترجم من اللغة البلوشية للعربية، لكنني بعد فترة وجيزة تعلمت هذه اللغة وأيضا بدأت الاندماج مع شرائح المجتمع المختلفة، تعرفت على الناس وصادقتهم وكنت لهم الطبيب والرفيق والناصح، وقمت بزيارات إلى المناطق المحيطة بالمدينة مثل السيح وشعم والصالحية وغيرها.
وهنا يدخل بنا الدكتور شبير في خضم العمل الطبي والخدمات الصحية التي كانت تقدم في فترة الستينات، يقول: الجهات التي كانت ترعى الخدمات الصحية في الإمارات يمكن أن نحصرها في الحكومات المحلية، ثم دار الاعتماد البريطاني، ومجلس التطوير، والإرساليات التبشيرية الأجنبية، وأخيرا مكتب دولة الكويت في دبي، وعلى مستوى الحكومات المحلية تعتبر دبي أولى إمارات الدولة التي اهتمت بالخدمات الصحية الحديثة منذ عام 1943.
وأذكر جيدا أنني عندما وصلت إلى دبي عام 1963 كان مستشفى المكتوم قائما في موقعه الحالي وكان المستشفى الوحيد في الإمارات، وكان يقدم الخدمات الصحية لسكان دبي وإمارات الدولة الأخرى وبعضا من سكان سلطنة عمان أيام السلطان سعيد بن تيمور، وكان السكان يطلقون على مستشفى المكتوم مستشفى ( ماكولي) نسبة للطبيب البريطاني الذي كان يعمل بالمستشفى، وقد تعرفت على هذا الطبيب وكثيرا ما كان يحدثني عن العمل بمستشفى المكتوم وعرفت منه أن حكومة دبي أمرت ببنائها وأنجزتها في عام 1949.
وبعد أن ترك الدكتور (ماكولي) الخدمة في المستشفى عينت الحكومة طبيبا بريطانيا اسمه (هانيمان)، والجدير بالذكر أن الدكتور جمعة بالهول كان يساعد (هانيمان) في ذلك الوقت، وقد تم تعيين الدكتور جمعة وكيلا لوزارة الصحة بعد استقلال الدولة مباشرة، كما يجدر التنويه بأن مستشفى المكتوم تطورت خدماتها كثيرا في عهد الدكتورين (هانيمان) وبالهول.
وعن دور دار الاعتماد البريطاني في تقديم الخدمات الصحية يقول الدكتور رمضان شبير: أقامت دار الاعتماد عدة عيادات صحية لعلاج المرضى، وقد زرت معظم تلك العيادات بدءا من عيادة منطقة المليحة بإمارة الشارقة وعيادة دبا الحصن والفجيرة والعيادة في مستشفى النخيل في رأس الخيمة وعيادة عاصم بالشارقة، وكانت كل عيادة من العيادات المذكورة - باستثناء عيادة عاصم وعيادة مستشفى النخيل، مكونة من غرفة واحدة مقسمة إلى قسمين، قسم لعلاج الرجال وآخر لعلاج النساء.
وفي كل قسم توجد طاولة خشبية توضع عليها كمية من الأدوية لا تزيد بأي حال من الأحوال عن خمسة عشر صنفا لا أكثر، ومن المفارقات أن كان يوضع على كل عيادة لافتة مكتوب عليها باللغة العربية (هذا المبنى هدية من صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا إلى شعب الإمارات المتصالحة)، وكان يمر على هذه العيادات طبيب بريطاني ومعه ممرض باكستاني لمدة ساعتين كل أسبوع، وكان يطلق عليه الطبيب المتجول.
أما عيادة عاصم بالشارقة فقد أقامتطها دار الاعتماد البريطاني في بيت مستأجر، وكان السكان يطلقون عليها هذا الاسم نسبة للدكتور العماني عاصم الجمالي الذي كان يعمل فيها، وعندما ترك الدكتور العمل بالمستشفى تم تعيينه مستشاراً لجلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان، وبالنسبة لمستشفى النخيل برأس الخيمة فقد كانت عبارة عن عيادة مكونة من ثلاثة بيوت، بيت للعيادة،، والثاني يستخدم كسكن لطبيب باكستاني اسمه الدكتور صديقي، والبيت الثالث سكن لممرضة بريطانية.
ونصل مع الدكتور شبير إلى مهمة مجلس التطوير والخدمات الطبية التي كان يقدمها، يقول: أغلب الظن أن هذا المجلس تم تأسيسه في أواخر عام 1965 أو بدايات عام 1966، وقد تولى مجلس التطوير المنشآت التي كانت تابعة لدار الاعتماد البريطاني وهي العيادات الطبية التي سبق ذكرها.
إضافة للمدارس الصناعية والزراعية مثل المدرسة الصناعية بدبي والمدرسة الزراعية بمنطقة الدقداقة برأس الخيمة التي كان يديرها الخبير الزراعي البريطاني (مورغان) ونائبه المهندس الزراعي الأردني محمد عبد العزيز، وبالمناسبة توجد صورة تضم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن حميد النعيمي وهما في اجتماع مع نائب الخبير المهندس محمد عبد العزيز وبحضور أحد موظفي دار الاعتماد البريطاني.
أما الخدمات الصحية التي كان يقدمها مجلس التطوير فقد كان في مقدمتها مكافحة الملاريا وبعض الخدمات الوقائية، وكان المسؤول عن ذلك هو الدكتور المصري صبري فؤاد واصف، وللعلم فقد كان عيسى القرق أحد مؤسسي المجلس.
عز الدين الأسواني



