أربعة أيام فقط باقية، وتطوي معركة الرئاسة الأميركية صفحتها، لتدخل التاريخ من بابه الواسع. المعادلة التي رست عليها، وضعتها في هذه الخانة. كانت خروجاً بامتياز على المألوف. كسرت حواجز، كانت، عملياً، بمثابة الممنوعات. بل المحرمات.

ظروفها أيضا كانت، إلى حدّ بعيد، غير اعتيادية. ما مرة اجتمعت في حملة انتخابية واحدة. لأول مرة منذ فيتنام،تجرى انتخابات الرئاسة، وأميركا متورطة في حرب مكلفة ومتعثرة؛ فوق ساحتين. كما لأول مرة، منذ الانهيار الاقتصادي الكبير في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي؛ يختار الأميركيون رئيسهم، في ظل أزمة مالية طاحنة؛ أطاحت بمؤسسات وبأوضاع وتركت مضاعفات تهدد بالأدهى. لكن إذا كانت هذه الانتخابات غير مسبوقة، بكافة المقاييس؛ إلا أن علامتها الفارقة تبقى في صعود المرشح الديمقراطي، باراك أوباما والمقبولية الواسعة، التي حظي بها، لدى الجسم الانتخابي الأميركي؛ والتي حملته إلى عتبة البيت الأبيض، كرئيس مرجح.

وصول أميركي أسود إلى هذه المحطة، لأول مرة بعد 232 سنة من ولادة الجمهورية؛ وما تخللها من عبودية وعنصرية ضدّ السود؛ هو بحدّ ذاته حدث بحجم تحوّل تاريخي مهم. فجأة تقدّم من سناتور جديد في مجلس الشيوخ، غير معروف على الساحة الوطنية؛ إلى حلبة الترشيح الرئاسي. ومنها إلى قطب، لمع نجمه بسرعة، ليخطف الأضواء، خلال حملة انتخابات التصفية الحزبية. تجاوز منافسيه بسهولة. ومن ضمنهم مخضرمون وأصحاب رصيد وازن.

لا شك هو متقدّم عليهم بالكاريزما والحضور. لكن ذلك لا يكفي لوحده. عوامل أخرى ساهمت في حمله إلى الواجهة. منها أنه نوعية جديدة. ومنها انه جاء في لحظة ملائمة. حزبه يشكو من الترهل. قياداته الوازنة غابت عن المسرح. طروحاته غارقة في الرتابة والاجترار. الوجوه الحزبية التي دخل المنافسة معها، مستهلكة. كل ذلك ساعده على حسم معركة الترشيح لصالحه؛ ومن دون كبير عناء.

إلا أن نجوميته لمعت أكثر، خلال الشهرين الأخيرين من الحملة؛ عندما انحصرت المعركة مع خصمه الجمهوري ماكين. خلال جولاته الانتخابية ومناظراته، كشف عن قدرات قيادية ومواصفات رئاسية، أعطت حملته المزيد من الدعم والتأييد. وقد انعكس ذلك في تدفق التبرعات بسخاء نادر، على حملته. كما في توالي التأييد له، من جانب شخصيات مرموقة، بعضها من الحزب الجمهوري؛ ومن قبل كبريات الصحف الأميركية.

عزّز وضعه، بالإضافة إلى ذلك، أن منافسه ماكين يشكو من أعطاب سياسية مزمنة يتعذّر عليه تجاوزها. فالرجل محسوب، إلى حدّ بعيد على خندق بوش. كلاهما من مدرسة ريغان، التي أسست لسياسات الانفلات، المالي في الداخل والعسكري في الخارج؛ مع كل ما أدّى إليه ذلك من نشوب أزمات وكوارث، وضعت أميركا والعالم على حافة انهيارات وصراعات مفتوحة على الأخطر والأعظم.

ناهيك بإعادته إلى أجواء قريبة من حرب باردة جديدة. بحكم هذا الانتماء والتقارب، الفكري والسياسي، لم يقو ماكين على التنصل من تركة بوش الثقيلة. أدرك، مؤخراً،أن النفور الواسع من إدارة بوش، انعكس، طرداً، على حملته. سارع إلى إعلان انفصاله عن الرئيس. لكن خطوته جاءت متأخرة.

وبكل حال بقيت مواقفه وتوجهاته، متطابقة إلى حدّ بعيد مع سياسات بوش الخارجية. تمجيد خيار القوة، في القلب منها.

وبالتحديد، بخصوص العراق. الكل يتحدث عن جدولة الانسحاب، إلا هو لا يزال يتحدث عن «نصر»، ينبغي تحديد عوامله والسعي إلى تحقيقه. حتى «الاتفاقية الأمنية»، التي كثر الجدل حولها، تشير هي الأخرى، ولو بضبابية، إلى موعد للانسحاب.

مدرسة واسعة في واشنطن تدعو، في ضوء النكسات والورطات التي أدّت إليها سياسة بوش، إلى توجه مختلف يقوم على «الحوار والانفتاح الدبلوماسي»؛ في التعامل مع ملفات ساخنة وعواصم مؤثرة، مثل طهران وموسكو. وحده ماكين، مع بقايا المحافظين، يدفع باتجاه التأزيم. دعا إلى «طرد» موسكو من مجموعة الدول الصناعية الثمانية؛ حتى قبل دخول قواتها إلى جورجيا. وكأن شيئاً لم يتغير، عن زمن الحرب الباردة.

وعكس مقاربة أوباما للملف النووي الإيراني، واصل تلميحاته، ولو بصيغة ملتوية، حول خيار «قصف» المنشآت الإيرانية. ينظر على العالم، من نفس منظار بوش. يقسمه إلى «أصدقاء وأعداء». نظرة تنطوي على التصنيف البوشي الشهير: من ليس معنا فهو ضدنا! في حقل السياسة الخارجية، لا يزال يعيش في الماضي.

يشدّه حنين إلى خطاب ريغان. يستلهم هذا الأخير ويرى فيه مثله الأعلى. والمعروف أن الرئيس الأسبق هو الذي أتى بماكين إلى عالم السياسة ودعم ترشيحه لدخول الكونغرس.

وبالإضافة إلى ذلك سلّطت حملته الضوء على أعطاب وإشكالات، في الأداء.

المعروف عنه أنه لا يطيق الاختلاف معه، صعب المراس وسريع الالتهاب. وأحيانا يفقد السيطرة على لسانه. طبع حكم أدائه، حتى داخل مجلس الشيوخ. تحت وطأة تعثر حملته، انكشف جانب من هذا الطبع؛ حين لجأ أحياناً، إلى الغمز من الزاوية العنصرية.؛ كما إلى التشهير الشخصي، ضد أوباما.

أو سكوته عن مثل هذا التشهير عندما كان يصدر عن أوساط حملته. كذلك كشف عن ضعف كبير في التقدير، عندما قرّر اختيار حاكمة ولاية ألاسكا، ساره بالين، لمنصب نائب الرئيس. اختارها لتلميع حملته؛ وإذا بها تنتهي إلى إحداث خلافات داخلها. كان قراره، حسب معظم ردود الفعل، غير موفق.

فهي ليست مؤهلة لهذا المنصب، الذي ينقل صاحبه، فوراً إلى كرسي الرئاسة؛ لو حدث للرئيس ما يمنعه من ممارسة مهامه. عدم الرضا عن هذا الاختيار، لاقى صداه في زيادة تعثر تسويق ماكين لحملته. رصيده أخذ يتراوح بين الجمود والتراجع. وبقي يترنح بين الاثنين، حتى اللحظة. كافة استطلاعات الرأي تتقاطع، وعلى امتداد الأسابيع الأخيرة، عند تسجيل المراوحة لماكين؛ والثبات في المقدمة لخصمه أوباما.

صمود الفارق، عند معدل ثماني إلى عشر نقاط؛ وقبل أيام من الاستحقاق؛ لا يحمل، قياساً على السوابق، أخباراً سارة إلى المرشح الجمهوري. نادرة المرات التي انقلبت فيها الموازين، خلال الأيام الأخيرة؛ بعد أن كانت مستقرة بثبات لفترة أسابيع؛ في هذا الاتجاه أو ذاك. وأكثر ندرة الهبوط السريع ، لصعود متدرج، ولو بطيء، من غير تذبذب.

ثم أن أوباما طلع إلى الموقع المتقدم في السباق، بفعل التأييد المتزايد له، في صفوف الشريحة الانتخابية؛ التي كان يخشى ابتعادها عنه، بحكم الخلفية العرقية المعروفة.

على العكس، وفي المرحلتين الأولى والأخيرة، نال من التأييد الأميركيين البيض ما ينفي لعب هذا العامل، ضدّه. على الأقل حتى الآن. والدليل على متانة هذا الالتفاف حوله، أن حملة خصمه رفعت في الأيام الأخيرة من وتيرة التلميحات العرقية، عبر نغمة التخويف والتهويل؛ والعزف على وتر الإرهاب ÷ نبش علاقة أوباما بشخصية مارست العنف، زمن حرب فيتنام .

كما على ورقة خلفية أوباما العائلية وأصولها ومعتقدها وغير ذلك من الأسلحة الدفاعية البائسة والمفلسة. وما زاد من التخبط والارتباك في حملته، أن أصواتاً معروفة من الجمهوريين، ومنهم من عمل في إدارة الرئيس بوش - غير الجنرال باول - ؛ أعربت علناً، في الأيام الأخيرة، عن استيائها من مجمل أداء ماكين في حملته الانتخابية. بعضها دعاه إلى التسليم مسبقاً بالخسارة والكف عن التصرف بما يعود على الحزب بالضرر الكبير.

خاصة في انتخابات الكونغرس.

كل ذلك، خلق حالة اقرب إلى الذعر، دفعت إلى محاولة أخيرة لتحريك النعرة العرقية، بصورة مبطنة. كما دفعت إلى استنفار عام في صفوف النخبة الحزبية، من مسئولين سابقين وعسكريين كبار متقاعدين؛ علّها تفضي إلى حشد كافة الأوراق والإمكانات، في اللحظة الأخيرة.

مجريات المعركة وسوابقها، تقول بأن الوقت متأخر للاستدراك.

ما لم تطفو الورقة العرقية على السطح وتتحول فجأة بقايا الثقافة العنصرية إلى العامل المقرر في الاختيار، لحظة رمي الورقة في صندوق الاقتراع؛ فلا حظّ لماكين. وإذا كانت النتائج مرهونة بالمقدمات، وهنا الأرقام؛ فإن المعركة، إذا بقيت تسير في مجراها الطبيعي، باتت في حكم المحسومة لصالح أوباما. صحيح أن هذا الأخير لا يحمل رؤية متكاملة واضحة، لمشروع حكم.

وصحيح أنه لا يمتلك المعالجات والحلول المتكاملة، لملفات وقضايا الداخل والخارج. بل هو كثيراً ما تميزت مواقفه وردوده وتصريحاته، بالجزئية والغموض (الأزمة المالية) وبالارتباك (العراق وفلسطين) والمزايدة (باكستان والقاعدة). لكنه، ليس مشروع صدامي ولا فعل تهوّر؛ كما هو ماكين. الرسالة من حملته، أنه طاقة مشدودة إلى المستقبل؛ بكل ما يتطلبه ذلك من استعداد للتأقلم والمرونة. في أقله، أوباما يفرمل الاندفاع ويجتنب الحماقات القاتلة، التي طبعت حكم إدارة بوش.

اختياره للرئاسة، يكون فعل اعتذار ضروري للأميركيين السود؛ فضلاً عن أنه يكون فعل تغيير وإطاحة بإرث تاريخي ثقيل، العبودية والعنصرية؛ وبإرث بوش المدمّر. الاختيار واضح، بين التغيير وبين الاستمرارية التي توازي التمديد الثالث لبوش. فرصة ثمينة علّ أميركا لا تضيعها، رحمة بنفسها وبالعالم.

إضاءة

إذا كانت هذه الانتخابات غير مسبوقة، بكافة المقاييس؛ إلا أن علامتها الفارقة تبقى في صعود المرشح الديمقراطي، باراك أوباما والمقبولية الواسعة، التي حظي بها، لدى الجسم الانتخابي الأميركي؛ والتي حملته إلى عتبة البيت الأبيض، كرئيس مرجح. وصول أميركي أسود إلى هذه المحطة، لأول مرة بعد 232 سنة من ولادة الجمهورية؛ وما تخللها من عبودية وعنصرية ضدّ السود؛هو بحدّ ذاته حدث بحجم تحوّل تاريخي مهم.

فيكتور شلهوب