وسط الجدل الصاخب الذي يسود الإعلام حاليا بشأن الانتخابات الأميركية لجهة تأثيرها على مستقبل العالم، وخوض مرشح أسود لها مع احتمالات كبيرة لفوزه، فإن هناك وجها قبيحا لهذه الانتخابات لم يأخذ حقه من التناول وهو الطابع العنصري الذي ما زالت بقاياه تمسك بتلابيب المجتمع الأميركي.
وإذا كانت هناك مؤشرات توحي بأن هذا المجتمع على طريق التعافي من العنصرية مع السود، فإن هناك أخرى تشير في الوقت ذاته إلى عدم تعافيه من شعور الكراهية الذي يكنه تجاه كل ما هو إسلامي. وإذا كان المرشح الديمقراطي باراك أوباما قد حقق تقدما كبيرا حتى الآن يعود في جانب منه إلى محاولة الأميركيين تقديم صك براءة من العنصرية ضد السود، فإن المسلمين كانوا الطرف الخاسر بفعل تقديم هذا الصك حيث توجهت سهام هذه العنصرية أو الكراهية بمعنى أصح إلى المسلمين.
من بين المؤشرات على ذلك أنه ضمن حملة مصممة لمصلحة المرشح الجمهوري جون ماكين لانتخابات الرئاسة وزعت منظمة تتخذ من نيويورك مقرا لها نسخا من فيلم مسيء للإسلام على أكثر من 28 مليون منزل ومؤسسة دينية في الولايات المتحدة. وقد تركز توزيع الفيلم في الولايات التي يتوقع أن تحسم نتائج الانتخابات الأميركية نظرا لتأرجح التأييد فيها بين أوباما وماكين.
على الخلفية ذاتها، نشير إلى أن البعد المتعلق بأصل أوباما وكونه أسود ضمن الحملة المناهضة لترشيحه ، لم يحتل النسبة ذاتها التي احتلها بعد كونه مسلما، حتى رغم نفي المشرفين على حملته ذلك والتأكيد على مسيحيته. وفي هذا نشير إلى حقيقة ما ذكره البعض من أن المعتقد الديني للمرشح للرئاسة لم يسبق أن أثير بهذا القدر من الجدل منذ انتخاب جون كينيدي عام 1960 .
ورغم النفي المتواصل بشأن الأصول المسلمة لأوباما، ما زال 12 في المائة من الناخبين ، في دلالة على فعالية هذه الحملات، يعتبرون أوباما مسلما!.
ولعله مما يؤكد تأثير هذه الحملات محاولة أوباما هو الآخر تقديم صك براءة من الإسلام، ليس بنفي انتمائه له فقط، وإنما بمنع منظمي حملته فتاتين محجبتين من التقاط صور لهما معه باعتبار أن ذلك قد يعزز التهم الموجهة ضده ما يمثل انتقاصا من رصيده ومستوى التأييد له رغم الاعتذار الذي تم تقديمه فيما بعد على خلفية هذا الموقف.
فضلا عما سبق، فإن أجواء الحملة ضد كل ما هو مسلم تنعكس كذلك في تحاشي أي من المرشحين، وليس أوباما فقط، إجراء اتصالات مع المجموعات المسلمة خشية التعرض لهجمات خصومهما، في مقابل الدعم الذي لا يتورعان عن إعلانه لإسرائيل. نعلم أن السياسة لا تمارس بالأمنيات وأن هناك أسبابا أخرى عميقة تقف وراء ذلك، غير أن الرصد ومحاولة فهم هذا الجانب من أبعاد عملية الانتخابات الأميركية يقتضي التنويه عن هذه الجوانب.
يؤكد ذلك حقيقة وجود نزعة لا تسامح أو كراهية تجاه الإسلام واستحكامها داخل المجتمع الأميركي ما دفع مائة من أساتذة الجامعة الأميركيين المسلمين إلى تقديم عريضة تنتقد تصاعد العداء للإسلام في الولايات المتحدة الأمر الذي فاقمت منه وكشفت عنه بشكل جلي عملية الانتخابات.
هل هناك مشكلة في أن يكون المرء مسلما في الولايات المتحدة؟ الإجابة بالنفي ولكن على لسان كولن باول وزير الخارجية السابق، فيما أن الواقع يؤكد على حقيقة المشكلة، ما ينفي الهالة الكبرى حول عملية الاستيعاب التي يتم الترويج لها بشأن أوضاع المواطنين الأميركيين أيا كانت أعراقهم أو أديانهم.
ولعل ذلك ما دفع بأستاذ في جامعة ميتشجان لأن يؤكد في كتاب له بعنوان «العنصرية في القرن الحادي والعشرين» على أن هذه القضية ـ بكافة أشكالها ـ لا تزال في رأيه واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية الملحة في الولايات المتحدة، وإن اتخذت أشكالا أكثر خبثا من جرائم القتل العنصرية وعنف العصابات التي كانت تحدث قبل عقود في أنحاء البلاد.
