توالى، في الأيام الأخيرة، التأييد الوازن؛ للمرشح الديمقراطي باراك أوباما. بالتحديد من جانب صحف أميركية، تجاوز عددها الأربعين. من بينها كبريات الجرائد اليومية، مثل واشنطن بوست ولوس انجليس تايمز وبوسطن غلوب. ومن المتوقع أن تلحق بها نيويورك تايمز وغيرها. كما حظي بوقوف المزيد من كبار المسؤولين السابقين والشخصيات المؤثرة، إلى جانبه.
حقنة دفع، ترفد حملته بزخم إضافي. تعزّز تقدّمه على خصمه. أهميتها أنها، بالتأكيد ليست مجاناً ولا منحة. حصل عليها اوباما؛ من باب المقارنة مع منافسه الجمهوري، السيناتور جون ماكين. والأهم أنها ليست كلها من طينته الليبرالية ـ بالمقاييس الأميركية ـ فيها أيضاً من الوسط، كما من الجمهوريين أنفسهم.
تأييد الصحف، لهذا المرشح أو ذاك؛ بات أشبه بالعرف؛ في انتخابات الرئاسة الأميركية.
خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة، تفرد افتتاحياتها الرئيسية للتعبير عن موقفها وتعليل انحيازها؛ للمرشح الذي تختاره. لموقف الجريدة صداه وأثره. خاصة إذا كانت موثوقة وواسعة الانتشار. وبالذات في أوساط المستقلين والمتردّدين. الإعلام يلعب دور المحرك، في الحملة الانتخابية.
ولو انه ليس اللاعب الحاسم. لا يقوى بالضرورة، على تبديل المعادلة. الصحف التي تؤيد أوباما اليوم. سبق ومنحت تأييدها للمرشح آل غور، عام 2000. لكن من غير جدوى. أيضاً وقفت وراء السيناتور جون كاري، عام 2004، من غير أن تقوى على إبعاد كأس الهزيمة عنه.
لكن هذه المرة، تختلف ظروف وقوفها مع اوباما. وبالتالي قد تختلف قوة نفاذ، تأييدها له، إلى عقول وقلوب الناخبين. منافسه الجمهوري، السيناتور جون ماكين، هو إلى حدّ بعيد، ظلّ لإدارة بوش؛ لناحية التوجهات والمقاربات الأساسية.
وبالتحديد في مجالي السياسة الخارجية والسياسات المحلية، الضريبية والمالية والاجتماعية. هو نفسه شعر بكلفة هذا الانتماء، حين سارع في مناظرته الأخيرة مع أوباما، إلى إعلان انفصاله صراحة عن الرئيس؛ عندما قال «أنا لست جورج بوش». لكنه انفضاض لفظي. وبكل حال متأخر. فهو لم يتراجع عن احتضانه لحرب الرئيس بوش على العراق، من البداية وحتى الآن.
كما أنه لم يتراجع عن وقوفه وتصويته في مجلس الشيوخ، لصالح التشريعات التي استهدفت تفكيك الضوابط والمراقبة، على عمليات المؤسسات المالية الأميركية؛ التي بانفلاتها تسببت بالأزمة المالية العاتية، التي تعصف بالعالم اليوم.
ثم هناك خطوة أقدم عليها ماكين، وصمته بسوء التقدير. اخيتاره لنائبته، حاكمة ولاية آلاسكا، سارة بالين؛ لم يشكل إضافة نوعية لحملته. لا هي متمرسة، في الشأنين القومي والدولي. ولا هي مؤهلة أصلاً، للسباحة في مثل هذا الممر المائي؛ وفي هذا الظرف بالذات. كان بحاجة إلى نائب من العيار المطمئن.
فالرجل عمره 72 سنة. حتى لو أنه معافى. علماً بأنه سبق وخضع لعملية استئصال سرطان جلدي.
لأول مرة في تاريخ أميركا، يتأهب مرشح للدخول إلى البيت الأبيض وهو في مثل هذه السن المتقدمة. نائبته لاقت الاستحسان في صفوف غلاة المحافظين.
خارج هذه الشريحة، بقيت مقبولية الأميركيين لها باردة. حتى في أوساط الناخبين المحسوبين على الجمهوريين، كانت ردّة الفعل على اختيارها فاترة. زاد الطين بلّة، ابتعاد شخصية جمهورية مرموقة ومؤثرة، مثل الجنرال كولن باول، عنه، ليمنح تأييده للديمقراطي أوباما.
صدمة تزيد من تعثر ماكين؛ الذي تكشفه عمليات رصد الحملتين، حيث حضوره باهت، فيما صعود أوباما ثابت. حسب استطلاع نيويورك تايمز وشبكة سي بي إس، ماكين لم يحقق أي تقدّم يذكر؛ في الفترة ما بين عشية المناظرة الأولى ، وما بعد المناظرة الثالثة والأخيرة.
بالمقابل، شهد وضع أوباما المزيد من التماسك والتقدم. قبوله، بات عند 53%. وعادة تمثل هذه الفترة، ذروة الحملة؛ حيث يستنفد المرشح كل مخزونه لتسويق ترشيحه. الذي يقوى على تثبيت وضعه في المقدمة، خلالها؛ تصعب زحزحته، في غياب سقطة كبيرة أو طارئ غير اعتيادي. وبذلك، رسا المشهد، حتى الآن، على هذه المعادلة. وفي ضوئها يبدو أن البيت الأبيض صار على مرمى حجر من زحف أول أميركي أسود إليه.
