من أمينة ودود أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة فيرجينا التي أمت الرجال والنساء الأسبوع الماضي خلال صلاة الجمعة في مسجد بأكسفورد قريب من العاصمة البريطانية، الى رواية «جوهرة المدينة» التي تسيئ الى السيدة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، مرورا برواية «آيات شيطانية» لسلمان رشدي وليس انتهاء بالرسوم الدنماركية المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك من أحداث ومواقف يصعب سردها هنا.
ينبغي لنا ألا نتوقع توقف موجة ما ينظر اليه الكثيرون على أنه اساءة للإسلام تصدر من الغرب سواء من أناس غربيين في الأساس أم من مسلمين عاشوا في الغرب. ولعل ذلك يفرض التوصل الى ما يمكن اعتباره إطارا عاما حاكما لردود أفعال المسلمين على هذه الأحداث يسترشد به المسلم في مواجهتها.
يتجاوز الأمر هنا نطاق الاجتهاد الفردي في ضوء تعدد وتشعب الإساءات التي مانكاد ننتهي من احداها حتى ننغمس في أخرى تتلوها. وإن كان ذلك لا يحول دون أن نشير الى ما نراه أن كل حالة تتطلب رد الفعل التي يناسبها، ففيما تتطلب إساءة التصدي لها وبحزم، فإن هناك من الإساءات ما قد يكون أسلوب التجاهل أجدى وأكثر نفعا.
وتصلح قضية ودود كنموذج لتأكيد هذه الفكرة الأخيرة. ولعل متابعة الجدل الذي ساد بشأن إمامة ودود لصلاة الجمعة منذ بدايته تؤكد هذا الطرح. وهنا ودون إيغال في نظرية المؤامرة نشير الى أن هناك مساعي غربية وبشكل خاص في الولايات المتحدة لتقديم نسخة مغايرة من الإسلام تتوافق مع التوجهات الغربية.
وقد يكون هذا المسعى لا خلاف عليه حال التزامه بالقواعد المستقر عليها مع الإقرار بروح التجديد بما يتناسب مع العصر. غير أن الأمر، حسبما نرى، ليس كذلك، وإنما هناك محاولة للوصول الى ما يمكن وصفه ب«إسلام أميركاني» أو غربي قد نكتشف في النهاية أنه ليس له علاقة بالإسلام الذي نعرفه.
ما نريد الإشارة اليه أن ودود وأمثالها تحظى بدعم وتشجيع غربي وأميركي من أجل تعميم التصور الغربي للإسلام الذي نشير اليه، ولا يخرج الأمر عن نطاق إحداث حالة من البلبلة والجدل داخل العالم الإسلامي قد تسهم في اتساع نطاق الفكرة التي يحاولون الترويج لها.
ولعل ما يؤكد ذلك متابعة الأجواء في المرتين اللتين تمت فيهما صلاة الجمعة سواء تلك التي جرت في الولايات المتحدة أو التي جرت مؤخرا في بريطانيا. لقد كان هناك حرص من منظمي تلك الصلاة على الترويج لها وإحداث أكبر قدر من الجلبة بشأنها الى الحد الذي بادروا معه الى بثها عبر الإنترنت.
ولعل المتابع للتقرير المصور الذي بثته قناة «بي بي سي» حول الصلاة التي تمت في بريطانيا يبدي دهشته حول كل هذا الحشد الإعلامي من أجل متابعة الأمر فيما يشير الى مسعى لتعزيز أهميته، فيما أن مجموع الرجال الذين أمتهم ودود لا يزيد على عدد أصابع اليدين.
ومع كل التقدير لمشاعر النساء المسلمات في بريطانيا اللاتي خرجن للتعبير عن احتجاجهن على هذا الأمر، فلعله كان من الأفضل ترك الأمر يمر مرور الكرام. وقتها لم يكن ليشعر بودود الكثيرون ولن تحدث الجلبة التي تقوم بها النتيجة المستهدفة.
الأمر الذي أشارت اليه الأنباء ممثلا في دعوة عدد من زعماء التجمعات المسلمة في بريطانيا الى عدم التظاهر علنا باعتبار أن ذلك سيمنح ودود مزيدا من الشهرة. ليس فيما ندعو اليه تفكير بمنطق النعامة التي تضع رأسها في الرمال كي لا ترى الخطر الماثل أمامها وإنما أسلوب قد يكون مجديا مع بعض الساعين الى فرض آرائهم وتصوراتهم بأساليب مختلفة عن الآخرين.
ننطلق في ذلك مما هو مستقر عليه من أن المرأة لا يجوز لها أن تؤم الرجال وإن جاز لها، حسبما استقر الفقه، أن تؤم المرأة، وأن التجديد في هذا المجال، الشعار الذي يرفعه منظمو الحدث، ليس هناك ما يستدعيه باعتبار أن إمامة المرأة من عدمها ليست مجال الاحتكام الأساسي بشأن وضع المرأة في الإسلام.
