ألاأثار الإعلان الروسي الفنزويلي المتزامن، مؤخراً، عن عزم الجانبين إجراء مناورات بحرية مشتركة في البحر الكاريبي قلق الولايات المتحدة التي لم تعتد على هذا العمل منذ انتهاء الحرب الباردة. ومن المتوقع أن تبدأ المناورات بمشاركة أربع قطع بحرية روسية على متنها حوالي ألف جندي روسي والعديد من القطع الفنزويلية في الفترة من العاشر وحتى الرابع عشر من نوفمبر المقبل.

وفي الوقت الذي ينظر إلى هذه الخطوة في الولايات المتحدة على أنها تهديد لأمن الولايات المتحدة الاستراتيجي، فإن العديد من المحللين حول العالم يعتبرون الخطوة الروسية رداً عملياً على مشروع الدرع الصاروخية الأميركي الذي أعلنت واشنطن عن البدء بتنفيذه في بولندا وكأن لسان حال موسكو يقول للأميركيين: إذا كنتم قادرين على الوصول إلى تخومنا وتهديدنا في عقر دارنا، فإننا قادرون على أن نذيقكم من الكأس نفسه. واللافت هو أن هذه الخطوة الروسية وجدت ترحيباً حاراً من قبل بعض الدول في المنطقة التي تشهد تراجع النفوذ الأميركي التقليدي.

صحيح أن الولايات المتحدة لا تزال تعتبر القوة الخارجية الأكبر في أميركا اللاتينية وفق أغلب المعايير، بما في ذلك التجارة والتعاون العسكري وحجم سفاراتها هناك، إلا أن نفوذ واشنطن فيما كان يعرف بفنائها الخارجي قد تراجع إلى أدنى مستوى له منذ عقود. فمع تحويل واشنطن اهتمامها إلى الشرق الأوسط، شهدت أميركا اللاتينية ميلاً إلى اليسار ودخلت قوى أخرى إلى الساحة لم يكن تراجع النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية محصوراً بالجانب السياسي، فقد تراجع النفوذ الاقتصادي كذلك، فقد انخفض الاستثمار الأميركي المباشر هناك من 30% إلى 20% من إجمالي الاستثمارات الأميركية في الفترة من 1998 إلى 2007، وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة الاقتصادية حول أميركا اللاتينية والكاريبي.

وهذا الوضع سمح بتغلغل النفوذ الصيني والروسي إلى المنطقة من خلال النشاط الاقتصادي للأولى والصفقات العسكرية للثانية. وجاء وصول قادة يساريين إلى السلطة في معظم دول أميركا اللاتينية ليعزز ذلك التوجه بعيداً عن الولايات المتحدة ونفوذها.

وفي مايو الماضي أعلن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي أن عصر هيمنة الولايات المتحدة في الأميركيتين قد انتهى. بل وصل الأمر إلى حد قيام بوليفيا وفنزويلا بطرد السفيرين الأميركيين في سبتمبر الماضي بذريعة قيامهما بالتدخل بشؤون البلدين الداخلية.

وفي ضوء هذه الظروف الداخلية في أميركا اللاتينية والتوتر الأخير الذي شهدته العلاقات الأميركية ـ الروسية في أعقاب الحرب في جورجيا، جاءت رغبة روسيا وفنزويلا في تعزيز العلاقات العسكرية والاقتصادية بين البلدين، حيث وقع البلدان اتفاقات اقتصادية وعسكرية تقضي بمنح الحكومة الفنزويلية امتيازات لشركات نفط روسية وقيام موسكو ببيع كراكاس أسلحة روسية بقيمة تفوق أربعة مليارات دولار ومساعدتها على بناء مفاعل نووي لأغراض الطاقة السلمية.

وتريد موسكو من هذا التقارب أن توصل رسالة إلى واشنطن مفادها أنها قادرة على الاقتراب منها جغرافيا وتهديد أمنها القومي، وبأنها لن تسمح بعد الآن بأن يتم تجاهلها كقوة كبرى في العالم ينبغي أن يحسب لها ألف حساب.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قد عبر عن هذه الرؤية الروسية الواضحة في تصريح له عقب إعلان واشنطن عن عزمها نشر الدرع الصاروخية في بولندا قال فيه: «لا يمكننا ببساطة تجاهل الصواريخ على حدودنا مباشرة. إنه هجوم أمني استراتيجي أميركي تهدف واشنطن من خلاله إلى محاصرة روسيا عبر محطات الدرع الصاروخية».

ويعد هذا اتهاماً مباشراً لواشنطن سانده فيه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بتأكيده على أن واشنطن تتصرف كإمبراطور روماني. فهل يعني الإعلان عن المناورات الروسية ـ الفنزويلية المشتركة أن موسكو قد قررت نقل صراعاتها القادمة مع واشنطن من شرق آسيا إلى رقعة اقرب جيوسياسيا إلى واشنطن؟

المؤشرات جميعها تؤيد هذا الاعتقاد والدليل ما نراه من حالة فوران تشهدها دول أميركا اللاتينية رفضا للحضور الأميركي وترحيبا بالدورين الروسي والصيني، فما هي حقيقة ما يجري في الفناء الخلفي التاريخي للولايات المتحدة؟

إن المشهد الذي نراه في بلدان أميركا اللاتينية يحمل ملامح إرادة سياسية للانفصال التام عن واشنطن، لا سيما وأن رئيس فنزويلا هوغو شافيز قد بات العدو الأول لإدارة بوش ومحاولات اغتياله وتدبير انقلابات ضده شغلت تفكير إدارة بوش طوال السنوات الثماني الماضية.

فمن الواضح أن الأمر يتجاوز فكرة المناورات العسكرية ويلقي الضوء على مرحلة التهديد والحصار الروسي القادم لواشنطن حتى تتعادل موازين الردع، ذلك أنه إذا كانت واشنطن ستزرع صواريخها على حدود روسيا فإن فنزويلا شافيز تبدي استعدادا وترحيبا كبيرين لاستضافة الأسطول العسكري الروسي، بما يعني هذا الأمر من خلل استراتيجي مماثل عند القوات المسلحة الأميركية.

بالنظر إلى نوعية قطع البحرية الروسية سواء تلك التي ستشارك في المناورات أو التي يمكن أن تستضيفها فنزويلا بصورة دائمة أو شبه دائمة. قبل عدة سنوات بدأت القوات المسلحة الفنزويلية في إعادة رسم ملامح التسليح لجيشها انطلاقاً من قناعتها بأن الولايات المتحدة لا يؤمن جانبها وقد تغدر بها عند اقرب منعطف، ولهذا فقد كثفت من برامج شراء الأسلحة من موسكو.

وهي أسلحة تصلح لحرب العصابات من جهة مثل بنادق الكلاشينكوف التي اشترت منها أكثر من 100 ألف بندقية وأخرى مهاجمة مثل الصواريخ الصينية «سيلك وورم» التي ترعب البحرية الأميركية ومروحيات وطائرات سوخوي المقاتلة.

وبحسب ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسية «اندريه نيسترينكو»، فإن روسيا سترسل السفينة الحربية «بطرس الأكبر» وهي اكبر سفينة حربية في العالم، والمدمرة الأحدث «الأدميرال تشابانينكو» وسفينتين أخريين لأغراض الإمداد بالوقود. وتعتبر السفينة بطرس الأكبر واحدة من أهم قطع البحرية على مستوى العالم.

فهي مدججة بالسلاح ومزودة بصواريخ أرض أرض، ونحو 500 صاروخ أرض جو، وتتمتع بقدرات أكبر بكثير من الناحية النظرية من المدمرات الأميركية التي أرسلتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو إلى البحر الأسود إبان الحرب في جورجيا.

وقد كان إرسالها مدعاة لتعليق الأدميرال ادوارد بالتين، القائد السابق لأسطول روسيا في البحر الأسود الذي حذّر في حينه من أن الأسطول الروسي قادر على ضرب سفن الناتو الموجودة في البحر الأسود، وتدميرها في غضون 20 دقيقة.

واعتبر بالتين المناورات المزمع أجراؤها في الكاريبي «إيذانا بعودة روسيا إلى مرحلة القوة في علاقاتها الدولية لا سيما مع واشنطن». وقال إن أحدا لا يحب الضعفاء، مبديا أسفه الشديد على الحالة التي كانت قد وصلت إليها روسيا في نهاية القرن الماضي، والتي أكد أن الروس لن يسمحوا لأحد بأن يعيدهم إليها ثانية.

وعلى الرغم من تأكيدات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على أن المناورات العسكرية البحرية الروسية ـ الفنزويلية لا تشكل تهديداً لواشنطن أو لأي بلد آخر ورغم محاولات واشنطن التهوين لا التهويل من المسألة عبر تصريحات المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية برايان ويتمان التي قال فيها: «نحن نتدرب في مختلف أنحاء العالم ولدينا تدريبات مشتركة مع دول في مختلف أنحاء العالم.

وهذا ما تفعله دول أخرى كثيرة»، إلا أن السياقات السياسية المتدهورة فيما يتعلق بعلاقات دول القارة اللاتينية مع واشنطن تجعل الساحة الخلفية لأميركا فضاء متسعا يبحث عن قوى دولية تملؤه، وهاهي موسكو ومن خلفها بكين تقفان على أهبة الاستعداد لاقتناص الفرصة لحصار واشنطن خاصة في ضوء ما تردد كذلك عن نشر موسكو لقاذفات بعيدة المدى على الأراضي الفنزويلية.

و إذا كان الحديث عن التطورات العسكرية الجديدة من موسكو إلى بقية العواصم اللاتينية يعد أول المخاض، فإن مرحلة تشبه القطيعة الدبلوماسية ولاحقا التهديد بوقف إمدادات النفط الفنزويلي عن أميركا، تتبلور الآن في الأفق وتحمل خسائر استراتيجية لواشنطن ومكاسب مؤكدة لموسكو.

والمكسب المؤكد لموسكو هو أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية ستحذو حذو كاراكاس بالنظر إلى المكانة التي تتمتع بها فنزويلا ورئيسها هوغو شافيز في المنطقة، وهو ما يعني صفقات عسكرية مربحة لروسيا وعلاقات اقتصادية ونفوذا سياسيا واستخباريا كان قد اضمحل في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي.

تحتل فنزويلا موقعاً قيادياً في القارة اللاتينية انطلاقاً من الدعم الاقتصادي الذي تقدمه لدول المنطقة والذي يتخذ شكل معونات مالية ونفط يقدم بأسعار مخفضة ومشروعات تنموية عديدة. ولا يترك شافيز فرصة إلا ويستغلها في التأكيد على عمق العلاقات ووحدة المصير بين دول أميركا اللاتينية.

ففي أعقاب قيام الرئيس البوليفي ايفو موراليس، مؤخراً، بطرد السفير الأميركي في بلاده بسبب اتهامات لواشنطن بالضلوع في مؤامرات لإسقاط الحكومات اليسارية في أميركا اللاتينية، أمر شافيز بطرد السفير الأميركي في كاراكاس وأمهله 72 ساعة لمغادرة البلاد كما طلب إعادة سفير فنزويلا على الفور مستبقا أي قرار أميركي بطرده ومضيفا «سنرسل سفيرا عندما تكون هناك حكومة جديدة في الولايات المتحدة الأميركية.. حكومة تحترم شعب أميركا اللاتينية».

ولأن شافيز هو المثل والقدوة لاتينيا، فقد انضمت هندوراس بدورها إلى قائمة الدول الطاردة للسفراء الأميركيين، إن جاز التعبير، إذ رفض رئيسها مانويل زيلايا قبول أوراق اعتماد السفير الأميركي الجديد لديها مبررا قراره بأنه يأتي دفاعا عن التضامن مع بوليفيا في أزمتها الحالية مع واشنطن ولإسماع هذا الاحتجاج لدول العالم.

من المؤكد أنه قد تكونت قناعة عند صناع القرار في واشنطن بوجوب التخلص من شافيز، الذي بات يمثل شوكة في حلق الإدارة الأميركية، وهذا الأمر أشار إليه شافيز نفسه، مؤخراً، بقوله إن هناك خططا أميركية للإطاحة به وقتله، غير أنه هدد بالرد العسكري على واشنطن بعد أن أكد وصول القاذفات الروسية الاستراتيجية «تي يو 16» إلى بلاده.

إذن هل ستكون المواجهة المقبلة بين السلاح الروسي ونظيره الأميركي، أم أننا سنشهد عودة إلى أجواء الحرب الباردة التي كانت سائدة إلى ما قبل تفكك الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو؟ يمكن أن نقول من دون تهويل إن موسكو قد بلغت مرحلة متقدمة من اليأس إزاء الغرور الإمبراطوري الأميركي.

وليس أدل على ذلك من تصريح قائد القوات الاستراتيجية الروسية الجنرال نيكولاي سولوفتسوف الأخير والذي أشار فيه إلى أنه لا يستبعد أن تستهدف الصواريخ الباليستية الروسية العابرة للقارات في المستقبل كلا من منشآت الدفاع الصاروخي في بولندا وتشيكيا وغيرها من المنشآت المماثلة.

وقال ملمحاً إلى المناورات العسكرية التي ستجري في أميركا اللاتينية: «نحن مضطرون لاتخاذ الإجراءات المناسبة حتى لا نسمح في أي وقت بالتقليل من قدرة الردع النووي الروسي». ويبدو أن روسيا ستنجح في إيصال رسالتها للولايات المتحدة وتأكيد جديتها في مواجهة أي خطر يتهدد أمنها القومي باعتبارها قطباً بارزاً في عالم اليوم يتعين على واشنطن أن لا تقلل من شأنه.

إضاءة

لم يكن تراجع النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية محصوراً بالجانب السياسي، فقد تراجع النفوذ الاقتصادي كذلك، فقد انخفض الاستثمار الأميركي المباشر هناك من 30% إلى 20% من إجمالي الاستثمارات الأميركية في الفترة من 1998 إلى 2007، وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة الاقتصادية حول أميركا اللاتينية والكاريبي.

وهذا الوضع سمح بتغلغل النفوذ الصيني والروسي إلى المنطقة من خلال النشاط الاقتصادي للأولى والصفقات العسكرية للثانية. وجاء وصول قادة يساريين إلى السلطة في معظم دول أميركا اللاتينية ليعزز ذلك التوجه بعيداً عن الولايات المتحدة ونفوذها.

ضرار عمير