مرت الاقتصادات الرأسمالية بأزمات متعددة، وفي كل مرة كانت تعبر أزمتها وتجدد نفسها من دماء وأموال الآخرين. ويبدو أن هذا هو الحال مع أزمتها الحالية. تلك الأزمة التي أصبحت فيها الرأسمالية، وتحديدا الأميركية كالنار تأكل نفسها. لكن هذه المرة سوف تترك الأزمة حروقاً وندبات عميقة في جسد الرأسمالية وعقلها، بما لن تنجح معه اي عمليات تجميل عابرة.

فالأزمة تحتاج الى جراحات جوهرية تغير من معالم الرأسمالية المتوحشة، والتي كانت سببا مباشرا في كل أزماتها ومنها الأزمة الحالية. هذه الأزمة وضعت الرأسمالية الأميركية على أعتاب مرحلة جديدة، لن ينهار فيها فقط بعض من ثوابتها الأيديولوجية، بل أيضا مؤسساتها التي شكلت أعمدتها الحيوية على مدى أكثر من ستين عاما ومثلت وسائل سيطرة على الأيديولوجيات المنافسة أو البديلة. فالذي سقط فعلا هو النموذج الأميركي للرأسمالية وليس الرأسمالية كلها. والمد المتتابع للأزمة ليس الا صدى لما جرى في وول ستريت، بفعل الاختطاف الأميركي للنظام الرأسمالي العالمي.

منذ الحرب العالمية الثانية عظمت الولايات المتحدة مكانتها كقوة كبرى في العالم، بعدما تمكنت من ازاحة اوروبا واليابان عن مواقعهما الاستعمارية، وبسطت سيطرتها على هذه الدول، وسعت لوراثتها في مستعمراتها عبر العالم: سياسيا (من خلال الأمم المتحدة ومنظماتها)، وعسكريا (بواسطة الأحلاف العسكرية وفي مقدمتها الحلف الأطلسى)، واقتصاديا (عبر المؤسسات والشركات الاقتصادية الدولية).

وثقافيا (من خلال هوليوود والسيطرة على الاعلام الدولي). هذه الأدوات مجتمعة أعطت للولايات المتحدة تفوقا عالميا هائلا على خصمها اللدود الاتحاد السوفييتي. وفي إطار الترويج للعصر الجديد أطلقت واشنطن شعارات براقة مبشرة بعالم مثالي من الحريات و الرفاهية والتقدم.

وقدمت الرأسمالية عدة تنازلات داخلية للطبقتين الأدنى والمتوسطة، تمثلت في تقديم الخدمات الاجتماعية على الصعد الصحية والتعليمية والتشغيل، مستفيدة من تجربة الكساد العظيم في الثلاثينات، ومتخوفة من شعارات الماركسية السوفييتية التي اجتذبت المحرومين، الذين رأوا في نموذجها الاجتماعي الاقتصادي خلاصا لهم من استغلال الرأسمالية.

وفي الوقت ذاته مكنت المؤسسات الاقتصادية العالمية التي تأسست وفق الرؤية الأميركية، الولايات المتحدة من التحكم بالاقتصاد العالمي، وكرستها كقوة اقتصادية مسيطرة يصعب مجاراتها أو مناطحتها. وتمثلت هذه المؤسسات في أربع أذرع، هي:

گ صندوق النقد الدولي

گ البنك الدولي

گ منظمة التجارة العالمية

گ الشركات متعددة الجنسيات

هذه المؤسسات شرعنت للولايات المتحدة من واقع اتفاقات دولية حق توجيه الاقتصاد العالمي، وأعطت الاقتصاد الأميركي مكانة ريادية فريدة ومتميزة داخل بنية النظام الرأسمالي نفسه. كما مكنتها من اعادة تشكيل اقتصادات الدول الاخرى الواقعة خارج المعسكر الرأسمالي العالمي، خاصة دول العالم الثالث.

وكان العام 1944 هو بداية تتويج هذه الهيمنة، اذ شهد توقيع اتفاقية برايتون وودز التي تأسس بمقتضاها الصندوق والبنك الدوليين، ثم صار - بمقتضاها - الدولار هو العملة المسيطرة والمقومة عالميا للعملات بالذهب. وفي العام 1971 تم إحلال الدولار بدلا من الذهب كغطاء ضامن.

و بهذه الإجراءات تمكنت الولايات المتحدة من اختطاف النظام الراسمالي برمته من أوروبا. كما استطاعت بواسطة المؤسستين الدوليتين التحكم في حركة المساعدات الاقتصادية العالمية، وفي تمويل القروض للدول النامية. فهي صاحبة النصيب الأكبر في تمويل المؤسستين، وفي الكتلة التصويتية، فلم يكن ممكنا اصدار قرار الا بأمرها وموافقتها.

والذاكرة العربية لاتزال تعي موقف البنك الدولي الرافض لتمويل بناء السد العالي في مصر ابان الستينات. وإمعانا في فرض ارادتها السياسية على العالم، سخرت الولايات المتحدة المؤسستين بمساعدة غربية لإعادة تشكيل الاقتصادات المستقلة من أجل استعادتها الى حضن الراسمالية كتابع اقتصادي، فاستغل الصندوق والبنك حاجة الدول النامية الى التمويل الخارجي، وقدما وصفات مشروطة تستهدف اعادة الهيكلة الاقتصادية لهذه الدول.

تعتمد على الحد من الانفاق العام على الخدمات الاجتماعية التي تقدمها لمواطنيها، إلى جانب الحد من دور الدولة في التوجيه والتخطيط الاقتصادي، نزولا على مقولة حرية السوق، والسماح بحرية تدفقات رؤوس الأموال، والاعفاءات الضريبية لاصحاب هذه الرؤوس، مقابل إثقال الطبقات الفقيرة الكادحة بها.

ومع دخول اتفاقيات منظمة التجارة العالمية حيز التنفيذ في العام 1996 كوريثة لاتفاقيات الجات، ازدادت معاناة الدول النامية لحساب الراسمالية عموما، والأميركية منها على وجه التحديد. فقد أجبرت الدول النامية على خفض الاجراءات الحمائية لمنتجاتها الوطنية أمام الواردات من الدول المتقدمة، مما أدى لانهيار كثير من صناعاتها، فانتشرت بها البطالة.

وحرمت مالياتها الوطنية من عوائد الحماية. صارت هذه الدول عرضة لاستنزاف ثرواتها في منافسة غير عادلة. وتحت مزاعم حرية انتقال السلع والخدمات والبشر ورؤوس الأموال، صارت أسواقها مستباحة. وأدت سياسات هذه المنظمة الى هيمنة القوى الرأسمالية على الأسواق العالمية، حيث زادت من تحكم الشمال الغني بما يزيد على ثمانين بالمئة من واردات العالم، وبنحو تسعين بالمئة من صادراته.

وساهم الدور الذي لعبته الشركات المتعددة الجنسيات في تعميق هذا الخلل. فهذه الشركات بما تمتلكه من أدوات احتكارية، بسطت سيطرتها على نحو ثمانين بالمئة من اجمالي التجارة المتداولة عالمياً. وأنتجت هذه السياسات مجتمعة ظواهر سلبية تراكمية، أدت الى حالة افقار عامة داخل كل الدول التي طبقتها، مقابل نزوح هائل هائل للأموال الوطنية خارح أقطارها متجهة الى الأسواق الغربية، واستشرت حالات غير مسبوقة من الفساد.

وبدأت هذه الدول تشهد حالات افلاس، وتجتاحها ثورات جياع، ادت بها الى عدم الاستقرارالسياسي والاجتماعي، ومن ذلك ما حدث في البرازيل والارجنتين والمكسيك وفنزويلا ومصر وتونس والفلبين وأندونسيا ونيجيريا. وكان من آثارها المدمرة أيضا، الأزمة المالية التي ضربت دول النمور الآسيوية في نهاية القرن الماضي.

ولعل ما ساعد النظام الرأسمالي على التغول والتوحش في الحقبة الماضية هو عجز النظام الاشتراكي عن مواكبة المتغيرات العالمية، وحالة الاضعاف المتواصلة للدول الفقيرة. وافتقاد معظم النظم في دول العالم الثالث لارادة تحدي النزعة الاستعمارية الأميركية، فآثرت الاستسلام.

وسط هذه الشراسة الرأسمالية على العالم ظلت المجتمعات الغربية بعيدة عن نتائجها السلبية وآثارها المدمرة، بل إن هذه المجتمعات أوغلت في بحبوحة العيش، حتى أشرس حدود الترف الاستهلاكي والفساد الأخلاقي، مستفيدة من الطفرات المالية التي توفرت لها من جيوب الفقراء من ضحايا سياسات المؤسسات الدولية.

لكن الراسمالية التي اعتادت أن تأكل غيرها، استدارت لتأكل الداخل بعدما استنزفت الخارج واستنفدته على كل المستويات: ماليا واقتصاديا وسياسيا وأيديولوجيا واجتماعيا. ووجدت ضالتها في ادارة الرئيس رونالد ريغان ثم إدارة الرئيس جورج دبليو بوش.

فبدأت في سلب الطبقات الاجتماعية في أميركا حقوقها المكتسبة منذ الحرب العالمية الثانية، في مجال العلاقة المتوازنة بين العمل والأجر، وكذلك على صعيد السياسات الضريبية والخدمات الاجتماعية التي مالت على الضعفاء لصالح الأغنياء.

فالرأسمالية الأميركية لم يعد لديها خوف من الخطر الشيوعي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وعلى نفس المنوال جرت الأحوال في أوروبا. لكن الرأسمالية لم تنجح في تغيير العادات الاستهلاكية التي نشأت عليها مواطنيها.

هذه السياسات أنتجت حالة شبيهة بما جرى لسكان العالم الثالث، مما أدى لإضعاف القدرات المالية لمواطني الولايات المتحدة، في ظل موجات إقراض عالية. فنتجت فجوة واسعة بين الدخول والديون، أنتجت الأزمة المالية الحالية.

وظهرت تجليات الأزمة المالية الأميركية في نهاية العام الماضي، عندما تفجرت فقاعة قروض الرهن العقاري. وكان باستطاعة الولايات المتحدة التعامل السريع مع الأزمة آنذاك، لكنها فضلت أن تصدر أزمتها الى العالم كله، حتى لا تسقط بمفردها. ومن أجل ذلك تباطأت في العلاج عندما بدأت أول حالة إفلاس ضخمة متمثلة في أزمة بنك ليمان براذرز.

ويبدو أن واشنطن خشيت ان هي بادرت بالانقاذ أن تخسر وحدها ويكسب الآخرون. فالتزمت آليات الديمقراطية المتباطئة كي تجبر الأسواق والاقتصادات المنافسة على تحمل حصة من الخسارة. وهذا ماحدث من واقع سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على هذه الأسواق، فمثلا تسيطر الشركات الأميركية على نحو أربعين بالمئة من اجمالي حركة البورصة الفرنسية، والأرقام الأوروبية واليابانبة لاتبتعد كثيرا عن هذا الرقم.

ان ماحدث كان أشبه بنظرية سقوط أحجار الدومينو التي طبقتها واشنطن على دول المعسكر الشيوعي، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وحاولت فيها عربيا وفشلت بعد غزو العراق. هذا السقوط المتتابع نال من أميركا عالميا، اذ يعتبرها العالم الآن، والأوروبيون خاصة عبئا اقتصاديا يجب التخفف منه، وفرصة سانحة لوراثة إمبراطوريتها المريضة اقتصاديا -على الأقل في الوقت الحالي- تمهيدا لإعلان موتها نهائيا.

ومن اجل ذلك كانت الدعوة الأوروبية لاعادة النظر في اتفاقية برايتون وودز، التي تكرس الهيمنة الاقتصادية الأميركية على العالم. كما تطرح أوروبا رؤى أيديولوجية مستحدثة تجدد بها الرأسمالية نفسها، وعلى أميركا أن تتحمل ذلك. ولكن هل تقبل أميركا بالهزيمة أمام أوروبا، وتقبل بتراجع مكانتها العالمية؟

الإجابة جاءت على لسان الرئيس الأميركي بوش ومساعديه عندما امتدحوا الرأسمالية في اشارة الى نموذجهم الأميركي، كما أن الرئيس بوش استبق لقاءه مع الرئيس الفرنسي نيقولاي ساركوزي ممثلا للاتحاد الأوروبي، بقوله إن الاقتصاد يجب أن يكون على رأس أولويات الرئيس الأميركي القادم، وعندما التقاه لم يقدم له ما يفيد التجاوب مع المطالب الأوروبية، وهو ما يعني أن على أوروبا الانتظار كثيرا.. كثيرا، قبل أن تقول أميركا كلمتها بشأن تعديل برايتون وودز.

إضاءة

حتى الآن لم يتم الكشف عن حجم الأزمة المالية العالمية، فبعض التقديرات تصل بها إلى نحو ستين تريليون دولار. وهو ما يكشف أن خطط الإنقاذ لا تزال دون مستوى الأزمة، فإجمالي ما خصصته الولايات المتحدة يبلغ سبعمائة مليار دولار، مقابل نحو تريليوني دولار من أوروبا. وتفيد المؤشرات أن الأزمة طالت الجميع ومنهم العرب، فالتقديرات الأميركية المبدئية تؤكد أن خسائر العرب لن تقل عن خمسين مليارا، وذلك إذا توقفت حدود الخسائر العالمية عند تريليوني دولار فقط.

أحمد الكناني